افرضوا الضرائب الحكومية على التدفّقات النقدية

منذ تنصيب الرئيس الأمريكي جو بايدن، في البيت الأبيض مطلع العام الجاري، لا تكاد جانيت يلين، وزيرة الخزانة في إدارته تتوقف عن الدعوة لفرض ضرائب عالمية على أرباح الشركات.

وبينما تراجعت الولايات المتحدة عن دعمها مطلبها السابق بأن يكون الحد الأدنى لنسبة هذه الضرائب هو 21 % من أرباح الشركات، «وكان هذا المطلب مرتبطاً بمطلب آخر، يتمثل في رفع نسبة الضريبة على الشركات داخل الولايات المتحدة من 21% حالياً إلى ما يتراوح بين 25 % و28 %».

إلا أنها تمسّكت أثناء مشاركتها في اجتماع مجموعة الدول الصناعية السبع، الذي انعقد يوم الجمعة الماضي بأن يكون الحد الأدنى لهذه النسبة هو 15 %.

وكانت يلين تحديداً هي من قادت الدعم لفرض هذه النسبة أثناء الاجتماع، وأطرت يلين على موافقة دول المجموعة على هذه النسبة وقالت: «من شأن الحد الأدنى للضرائب العالمية على الشركات، أن ينهي السباق نحو القاع في ضرائب الشركات، وأن يضمن العدالة للفئات المتوسطة والطبقة العاملة في الولايات المتحدة وحول العالم».

من الصعوبة بمكان أن يجادل المرء في وجوب أن تدفع الشركات حصصها العادلة من الضرائب على أرباحها، إلا أن فرض الحد الأدنى من الضرائب العالمية على الشركات يطرح تساؤلات سياسية واقتصادية على السواء.

ولنبدأ بالتساؤلات السياسية، فمن المرجّح ألا يحظى هذا الحد الأدنى بالقبول في الولايات المتحدة، ووفقاً لتقديرات حديثة أصدرتها منظمة التعاون الاقتصادية والتنمية، فإن تطبيق الحد الأدنى داخل الولايات المتحدة سيجمع ما يتراوح بين 500 إلى 800 مليار دولار سنوياً.

وغالبية هذا المبلغ سيتولد من أرباح الشركات الأكثر نجاحاً في الولايات المتحدة. وستحصل وزارة الخزانة على جزء من هذا المبلغ بطبيعة الحال، إلا أنه سيكون ضئيلاً إذا ما قورن بالتوسع الهائل في الإنفاق الذي تقترحه إدارة بايدن، فهل ستنخرط باقي الحكومات في جهود حثيثة من أجل الدفاع عن اتفاق ربما يكون سريع الزوال إذا ما أخفقت الولايات المتحدة في استصدار موافقة عليه من الكونغرس؟

وحتى إن اجتاز الاتفاق عقبة الكونغرس، ألا يمنح انتصاراً تنافسياً للصين؟ فباعتبارها ليست عضواً ضمن مجموعة السبع، ألن تستغل الصين فرصة الحد الأدنى من الضرائب في استقطاب المزيد من الاستثمارات والشركات العالمية إليها؟

ولننتقل الآن إلى التساؤلات الاقتصادية، وثمة تساؤلان رئيسيان، يتعلق الأول بتصميم القاعدة الضريبية، فيما يتناول الثاني المشكلة التي يسعى صانعو السياسات الضريبية في العالم إلى حلّها.

وما إذا كان الحد الأدنى هو الوسيلة المثلى للحل، وهي مشكلة تحديد الأطراف التي تتحمّل العبء الضريبي فعلياً. وقد أشرنا أعلاه عند الحديث عن التساؤلات السياسية إلى ضآلة حجم الإيرادات المنتظر تحقيقها من تطبيق الحد الأدنى الجديد بالمقارنة بالزيادة الهائلة في الإنفاق الحكومي في الدول الأعضاء بمجموعة السبع.

وعليه، فليست الشركات الكبرى متعددة الجنسيات هي التي ستدفع أكثر عند تطبيق النسبة الجديدة، كما هو متصوّر، وإنما من سيدفع أكثر هم مالكو رأس المال بصفة عامة ومعهم العمال، وفقاً للآراء الاقتصادية المعاصرة بشأن من يدفع الضرائب فعلياً.

لا تُعد نسبة 15 % ضريبة على أرباح الشركات مفيدة على وجه التحديد من دون اتفاق بشأن ماهية القاعدة الضريبية، وينطبق هذا الأمر تحديداً على الولايات المتحدة باعتبارها موطناً للعديد من الشركات التقنية، التي تجني أرباحاً خرافية. وبالتالي، فقد يثير الأمر تساؤلاً قلقاً بشأن ما إذا كانت دول العالم التي ستطبق نسبة الــ 15 % ستستخدمها في استهداف صناعات بعينها عن عمد.

تطبق الولايات المتحدة بالفعل منذ عام 2017 مبدأ الحد الأدنى على أرباح الشركات الأجنبية العاملة على أرضها، إلا أن إدارة بايدن ترغب باستخدام نسبة الـ 15 % في توسيع نطاق القاعدة الضريبية المطبّقة على أرباح هذه الشركات.

ولكي تكون نسبة الــ 15% مفيدة وتؤتي ثمارها المرجوّة، تحتاج دول العالم إلى قاعدة ضريبية موحدة، فالمفترض أن الهدف من فرض النسبة هو الحد من المزايا التي تحصل عليها الشركات العالمية الكبرى من تحويل أرباحها إلى الدول، التي تفرض ضرائب منخفضة القيمة، وليس الحد من قدرة هذه الشركات على الاستثمار خارج حدود أوطانها الأم.

وعليه، فمن شأن المزج بين الحد الأدنى، وبين توسيع نطاق القاعدة الضريبية، الذي يدافع عنه بايدن أن يخفّض ربحية الشركات متعددة الجنسيات، وفي الوقت نفسه أيضاً يخفّض قيمة استثماراتها العابرة للحدود.

ثمة وسيلة أفضل لتحقيق ما تهدف إليه يلين وزملاؤها في إدارة بايدن، وهو أن تتيح الحكومات للشركات الكبرى الفرص للإنفاق على المزيد من الاستثمارات. وعليه، ستتحول المنظومة الضريبية من فرض الضرائب على أرباح الشركات صوب فرضها على التدفّقات النقدية، وهو نهج لطالما نادى به خبراء الاقتصاد.

تعمد الدول ذات مستويات الإنفاق الحكومي المرتفعة بالمقارنة مع نواتجها المحلية الإجمالية، وهو الحال في الولايات المتحدة تحت إدارة بايدن، غالباً إلى تمويل إنفاقها من ضرائب القيمة المضافة، وليس الضرائب التقليدية على أرباح الشركات، وهو ما يجعل فرض الضرائب على التدفّقات النقدية هو الحل الأمثل.

* أستاذ الاقتصاد والتمويل بجامعة «كولومبيا» الأمريكية والرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين الأمريكي.

طباعة Email