الإمارات أرض التحديات والفرص

لا شك أن دولة الإمارات تشهد بصورة يومية تسارعاً في الأحداث الإيجابية، في محاولة جادة وتصميم كبير للتغلب على كل الآثار السلبية التي خلفتها جائحة «كورونا». فهذه الجائحة قد خلقت أنماطاً حياتية عالمية جديدة، وأفرزت سلبيات كثيرة وأوجدت تحديات خطيرة في كافة المجتمعات على حد سواء.

فعلاوة على التحديات الصحية، خلّفت الجائحة تحديات اقتصادية واجتماعية وبيئية، وأيضاً تحديات ديمغرافية. وكان على كل مجتمع التعامل مع تلك التحديات كلٌّ حسب وضعه وقدراته وإمكانياته. وتعد دولة الإمارات من النماذج المميّزة في التعامل مع آثار هذه الجائحة.

فعلى الرغم من وضع الدولة الجغرافي كنقطة اتصال وتواصل دائم بين الشرق والغرب، إلا أن الإمارات استطاعت، حتى وهي في خضم الجائحة، أن تحافظ على مركزها التجاري والاقتصادي العالمي، وأن تتخذ كافة الاحتياطيات التي بها تحافظ على الأوضاع الصحية فيها. ليس هذا فحسب، بل ووقفت إلى جانب تلك الدول المحتاجة، والتي تضررت بشكل كبير من آثار الجائحة، وقدمت لها كل أشكال الدعم والعون الصحي والإنساني.

ومما لا شك فيه أن ما كان يشد الأنظار إلى طريقة تعاطي الإمارات مع الجائحة، ليس فقط تقديم العون الصحي والإنساني، ولكن خلق فرص من تلك التحديات وتحويلها إلى فرص إيجابية. فمن المعروف عالمياً أن الجائحة قد خلقت خلخلة داخلية في المجتمعات.

فمن ارتفاع نسبة الوفيات، والنزوح من القرى إلى المدن، مروراً بالتخلخل في سوق العمل، كلها متغيّرات ديمغرافية أفرزتها الجائحة، وكان على الدول التعامل معها بكل حزم ودقة وانضباط.

وكما حصل في كل مجتمعات العالم، فقد تأثر مجتمع الإمارات وسوق العمل فيه بهذا التخلخل، إذ فقد البعض وظيفته إما نتيجة إعادة الهيكلة التي حصلت في الكثير من المؤسسات، وإما نتيجة الاتجاه نحو الاقتصاد الرقمي، والذي لا يحتاج إلى أيدٍ عاملة كثيرة.

ونتيجة لهذه المتغيّرات الاقتصادية، فقد حصلت أيضاً متغيّرات ديمغرافية. فكما يحدث عالمياً فقد حدثت هجرة معاكسة إلى الخارج وإن كانت محدودة. كما حصلت متغيّرات جدية في أنماط سوق العمل، الأمر الذي أملى عمالة يدوية أقل. كما أن المتغيّرات في سوق العمل إجمالاً، والحاجة إلى وظائف في قطاعات إبداعية جديدة، قد أملى على سوق العمل الاتجاه نحو الحداثة، مع الأخذ بالاعتبار المتغيرات الجديدة.

وكان على سوق العمل الإماراتي الأخذ في الاعتبار هذه التوجهات الجديدة، وسن القوانين والتشريعات التي تجعل من الدولة تواكب كل تلك المتغيرات وتتعاطى معها بشكل قانوني جيد. وسرعان ما سنّت الإمارات مجموعة من القوانين والتشريعات، فيما يتعلق بالهجرة والجنسية، الأمر الذي جعل من دولة الإمارات بيئة جاذبة ليس فقط للاستثمار المادي ولكن البشري أيضاً.

فقوانين الإقامة والجنسية التي اتخذتها الدولة مؤخراً، ما هي إلا خطوة نحو جعل دولة الإمارات مكاناً جاذباً للعقول والمواهب والابتكار في المجالات كافة. ففي مرحلة ما بعد الجائحة تحتاج كل الدول إلى ضخ دماء جديدة في اقتصادها، دماء تحمل روح الابتكار والإبداع لكي يقوّي الاقتصاد، ويكون القاطرة التي تجرّ المجتمع إلى الأمام.

وكأي مجتمع فإن مجتمع الإمارات يحتاج في هذه المرحلة إلى تشجيع المبدعين والموهوبين، لكي يجعلوا من الدولة مكاناً ليس فقط لسكنهم الطويل، بل لإخراج كل طاقاتهم ومواهبهم الإبداعية. فقد حفّزت الإمارات ودعمت الموهوبين والمبتكرين، وشجعتهم على الإقامة الطويلة أو منح الجنسية لكي تكون الدولة موئلاً للابتكار والإبداع العالمي.

إن دولة الإمارات بهذه التشريعات والقوانين تخلق فرصاً جديدة من تحديات قائمة، وتحوّل الآثار السلبية إلى فرص إيجابية. فعن طريق خلق فرص عمل جديدة، وخلق بيئة محفّزة وداعمة للإبداع والمبدعين، تستفيد الإمارات من تلك التحولات الديمغرافية التي خلفتها الجائحة وتحولها إلى فرص واعدة.

إن المستقبل الذي تتطلع إليه الإمارات هو مستقبل مبني على ترابط وتكاتف العقول المبدعة أينما كانت وأياً كان مصدرها. فصنع حضارة إنسانية كان دوماً غير مرتبط بأرضٍ واحدة أو عرقٍ أو جنسية.

فالحضارة العربية الإسلامية مثلاً، هي مزيج من الحضارات القديمة والقيم العربية الإسلامية والنبوغ الإنساني المتنوّع الذي ضمته تلك الحضارة العريقة، والتي استطاعت بعمقها وقيمها أن تصل إلى كل بقاع الأرض. فدولة الإمارات تتطلع أن تكون مصدراً ليس فقط إلى حضارة عربية محلية، بل إلى حضارة عالمية تحتضن جميع عقول ومواهب العالم.

 

 

طباعة Email