المدن الذكية والتصورات الجديدة لمرحلة ما بعد كورونا

لم تعد المدينة بشكلها التقليدي الخيار المفضل والمناسب للعيش والعمل، كما لم تعد المدينة الذكية في وقتنا الراهن ضرباً من الخيال، بل أصبحت واقعاً ملموساً حتى وإن اختلف مستوى ذكائها وتطورها ونضج خدماتها بين واحدة وأخرى.

ما يمكن قوله باختصار إن المدينة الذكية هي المستقبل، ومن أكثر قدرة وكفاءة من دبي على استشراف المستقبل وصناعته، والانتقال إليه والعيش فيه.

ومما لا شك فيه أن أنماط الحياة بشكلها التقليدي المعروف لن تعود إلى ما كانت عليه قبل انتشار «كوفيد 19»، فقد أفضت الجائحة إلى واقع جديد مختلف كلياً وأسست لمرحلة جديدة من التعاطي مع مستوى العمل، وإدارة الاستثمارات، والتعاطي الاجتماعي، ولفتت الأنظار إلى مسألة مهمة جداً وهي آلية تقديم الخدمات الحكومية، وخيارات الشراء عبر الإنترنت، وحلول التجارة الرقمية، وكرست الحاجة الفورية إلى ضرورة اتخاذ خطوات فورية لمواجهة هذه التحديات بما يضمن استمرار عجلة الحياة والإنتاج والعمل ومدى انعكاسها على مؤشرات الاقتصاد ومعدلات النمو بشكل عام.

سبق

وتمكنت دبي من أن تسبق الكثير من مدن العالم، وأن تتعامل مع تداعيات الجائحة بمنتهى الكفاءة والاحترافية، ومرد هذا بكل تأكيد، إلى الاستعداد المسبق للمستقبل واستشراف تحدياته وتحويلها إلى فرص يمكن البناء عليها والتأسيس لمراحل جديدة من النجاح والتميز.

وباعتبارنا جزءاً فاعلاً في منظومة العمل الحكومي في الإمارة، فإن جهودنا تركز على التخطيط وبرمجة المبادرات والمشاريع بما يعزز دور ومساهمة دبي في دعم توجهات وخطط الدولة استعداداً للخمسين عاماً المقبلة.

هدفنا هو مواصلة بناء الأسس القوية للتحول الرقمي، وإعداد الجيل الجديد من الكفاءات الشابة وتمكينها لتتمكن من مواصلة العمل، والاستمرار في تطوير منصات وحلول رقمية تلبي احتياجات النمو المستدام.

ويمكن تلخيص النموذج الناجح لدبي في التعامل مع الجائحة في 4 نقاط رئيسية تتضمن: أولاً وجود حكومة ذكية متطورة تشكل منصة لتقديم خدمات موثوقة تضم تحت مظلتها جميع الجهات الحكومية في الإمارة، ثانياً: البنية التحتية ذات الكفاءة العالية والجودة المتميزة التي تعد الأفضل والأكفأ على مستوى العالم في إنجاز جميع المعاملات بسرعة، وثالثاً: وجود مجموعة ضخمة من قواعد البيانات الضخمة التي تشكل ثروة وطنية مهمة يمكن الرجوع إليها والاستناد إلى معطياتها، ورابعاً: امتلاك عناصر بشرية تتميز بأعلى درجات الكفاءة والخبرة والمهنية، استطاعت الإشراف على العمل وقيادته خلال المرحلة الماضية بمسؤولية وثقة.

انعكاس

ونأتي الآن إلى الجانب الأهم، وهو كيفية انعكاس كل هذا على أرض الواقع؟ لقد استمرت الحياة في دبي على مستوى قطاع الأعمال والخدمات الحكومية بشكل جيد، وبالطبع واجهتنا بعض التحديات خلال فترة انتشار الجائحة، ولكننا استطعنا التعامل معها بمنتهى الاحترافية والجدية وبالتالي الحد من آثارها على مختلف مناحي الحياة.

وقد استطاعت الشركات خلال فترة الإغلاق التام وبرنامج التعقيم الوطني مواصلة عملها بشكل جيد، كما استمر قطاع التجزئة والتجارة الإلكترونية في تقديم خدماته للمتعاملين وتلبية احتياجاتهم بكفاءة عالية.

من جهة أخرى، لم يكن هناك أي انقطاع على مستوى المنظومة التعليمية، حيث واصلت المدارس والجامعات في الإمارة دورها في تزويد طلابها بالعلوم والمعارف من خلال المنصات الرقمية التفاعلية.

باختصار التحديات جزء من العمل، ولا يمكن القول بأننا سنصل مرحلة ننجز فيها مشروعاً بهذه الضخامة دون وجود صعوبات، ولكن الأهم هو ثقافة العمل وروح الفريق.

باختصار، نحن ننظر اليوم إلى التحديات السابقة التي مررنها بها، سواء خلال فترة كورونا أو قبلها، باعتبارها زاداً ومصدر تعلم يغني تجربتنا من جهة، ومحطة نستند إليها ونستلهم منها في تعاملنا مع ما هو قادم.

دبي الآن

ولإعطاء تصور أكثر دقة حول تأثير الجائحة على الحياة، يمكن أن يقدم تطبيق «دبي الآن» مثالاً واضحاً على هذا، لقد حفزت جائحة «كورونا» بشكل كبير زيادة الإقبال على استخدام الخدمات الرقمية لتطبيق «دبي الآن»، إذ بلغت المعاملات المنجزة فقط خلال عام 2020، نحو3.1 ملايين معاملة، كما أن إجمالي عدد المستخدمين للتطبيق حالياً يتجاوز 650 ألف متعامل، مقارنة بنحو 500 ألف متعامل خلال العام 2019، فيما بلغ عدد الخدمات أكثر من 120 خدمة، تابعة لـ34 جهة ومؤسسة، مقارنة بـ89 خدمة خلال عام 2019.

ولبحث الفرص المتاحة، والنظر في مستقبل الوظائف والوقوف بشكل دقيق على التغيرات، يرصد «تقرير مستقبل العمل» الذي أصدرته «دبي الذكية» في ديسمبر الماضي مجموعة من النقاط المهمة شملت تطوّر العمل، وإمكانات العمل المستقبلية، وعقلية العمل المستقبلية، وأساليب العمل المستقبلية، إضافةً إلى الاعتبارات والتساؤلات الخاصّة بمستقبل العمل.

ويوضح التقرير فيما يخص موضوع الأتمتة أن 30% من الوظائف الحالية مهددة بالزوال نتيجة الأتمتة بحلول عام 2030، بينما تشير تقارير أخرى إلى أن الأتمتة ستساهم بإدخال 15 تريليون دولار إلى

إجمالي الناتج المحلي العالمي بحلول عام 2030.

ويبرز التقرير أن فكرة «العمل الثابت طوال الحياة» بدأت تفقد جاذبيّتها، وخاصةً بين الأفراد من جيل الألفية، حيث يتوقع أن 43% منهم سيتركون عملهم في غضون عامين.

اقتصاد العمل الحر

وتناول التقرير أيضاً موضوع اقتصاد العمل الحر، وأشار إلى منصة «أب وورك Upwork» التي تحظى بنحو 14 مليون مستخدم وحققت لأصحاب الأعمال الحرة إيرادات سنوية وصلت قيمتها إلى مليار دولار أمريكي.

ويعد اقتصاد العمل الحر نظاماً تستعين فيه المؤسسات بخدمات أشخاص مستقلين بموجب عقود عمل قصيرة الأمد. وقد حقق اقتصاد العمل الحر نمواً مذهلاً لتصل قيمته إلى 204 مليارات دولار في عام 2018، ومن المتوقع له أن ينمو بنسبة 17% بحلول عام 2023.

ومن هنا، أظهرت منظومة العمل في دبي وتحديداً حكومتها الذكية مرونة عالية في التعامل مع التحديات والمتغيرات التي أفرزتها الجائحة، وتركت التقنية بصمتها الواضحة في تعزيز سرعة تعامل جميع الجهات من خلال ما توفره من سرعة استجابة وتواصل آمن.

ولعل أهم الدروس المستفادة من هذه التجربة هي إدراك جميع المؤسسات والمتعاملين لضرورة زيادة الاعتماد على الحلول الرقمية وتطويرها بشكل مستمر يعزز من كفاءتها التشغيلية، وضرورة تمهيد الطريق أمام المزيد من الابتكار والإبداع على هذا الصعيد، وبما يتناسب مع متطلبات الواقع الاعتيادي الجديد الذي يعيشه العالم أجمع ونشهد أولى مراحله اليوم.

مفترق طرق

العالم اليوم يقف على مفترق طرق، وسيتم تصنيف الدول مستقبلاً وفرزها ليس بحسب تبنيها الحلول الرقمية وتقديم خدماتها عن طريق التطبيقات، بل في تبني نهج شامل ومقاربة متكاملة للتطوير المستمر لقطاعاتها الحيوية بناءً على معطيات وأرقام دقيقة تجعل منها دولاً ومدناً ذكية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

السباق اليوم هو سباق ذكي سيكون النجاح فيه حليفاً لمن يمتلكون زمام المبادرة ولمن يمتلكون الجرأة على تبني أفكار وحلول جديدة كلياً تصب في مصلحة التطوير المستمر.

طباعة Email
#