العقود الذكية ودورها في الأمن التعاقدي

 التحولات التكنولوجية والسمات الرقمية التي تشهدها الساحة القانونية ألقت بظلالها على مختلف التعاملات لا سيما أساليب التعاقد الحديثة كالعقد الذكي Smart Contract، الذي هو عبارة عن برنامج معلوماتي يسعى إلى تنفيذ العقد بطريقة ذاتية أوتوماتيكية دون تدخل أو وساطة الغير، إذ تعتمد العقود الذكية في طريقة تشغيلها على ذات نهج عمل جهاز البيع الآلي بتقنيات أكثر تطوراً.

وتعد العقود الذكية على غرار تقنيات أخرى كالبيتكوين أحد الاستخدامات الخلاقة لتكنولوجيا «البلوك تشين» وهي منصة تتجسد في أكبر سجل رقمي موزع ومفتوح يمكن من خلاله تخزين أكبر عدد من المعاملات في دفتر غير ممركز، وهي أيضاً تكنولوجيا معلوماتية تتولى تخزين المعاملات التجارية المبرمة وفق ترتيب زماني لتصبح متاحة للتفحص من الكافة بصفة شاملة ومجانية، كما أن المعلومات المخزنة بها لا تقبل التغيير والتعديل أو التحريف، وتستمد هذه التقنية تسميتها بسلسلة الكتل أو Blockchain من نظام سيرها، فالمعاملات التي تسجل على هذه الشبكة يتم تجميعها في كتل كل واحدة منها تستوعب قدراً معيناً من المعاملات وهي مرتبطة ببعضها البعض بفضل توقيع رقمي Digital Signature، فهذا الأخير يضمن قيد المعاملة بختم وقت إتمامها وإثباته ومن ثم سلامة سجل المعاملة، فأي إضافة أو سحب أو تعديل للمعاملة يؤدي إلى إبطال بصمة تشفير السلسلة بأكملها.

وقد عرفت تكنولوجيا البلوك تشين على الأخص باعتبارها المنصة الرئيسية لعملة البيتكوين، ويسود الاعتقاد لدى عموم الناس بأن البيتكوين والبلوك تشين كيان واحد إلا أن الحقيقة مغايرة، فالبيتكوين هو أحد الاستخدامات المالية (المصرفية) للبلوك تشين، لذا يمكن اعتبار البلوك تشين هو العمود الفقري لعملة البيتكوين.

وبوجود العقد الذكي الذي يستعين بتكنولوجيا البلوك تشين يمكن أن تشهد مرحلة تكوين العقد بين الأطراف الذين لا تربطهم في الغالب علاقة ثقة ولا يجمعهم مجلس عقد واحد فائدة حقيقية، حيث بإمكانه تلافي وتقليص الأضرار الناتجة عن تلك التعاملات وكذا كلفتها وميعاد إتمام إبرامها، وفي هذا الإطار نعلم جيداً المخاطر التي تحيط بمرحلة ما قبل التعاقد أي أثناء تفاوض الأطراف والتي يصفها البعض بالمنطقة الدافئة بالنسبة للأطراف المتفاوضة، بالإضافة إلى ما تشهده مرحلة إبرام العقد من إشكالات عدة أهمها تعدد الأطراف المتعاقدة وتسلسل مراحل الإبرام بدءاً باشتراط تسليم الوثائق الثبوتية وتبليغها بشكل رسمي إضافة لطول المدة التي يستغرقها تطابق إرادة الأطراف، وهنا يمكن للعقد الذكي تقديم حلول فعالة لإتمام مرحلة الإبرام في أسرع وقت وبأقل كلفة، إذ يمكنه تعزيز عنصر الأمان خلال هذه المرحلة خصوصاً في ظل الرقمنة التي تصاحب الوثائق والمستندات التعاقدية، وعلى وجه الخصوص في مجال المعاملات العقارية، حيث تشهد برنامجاً لرقمنة الوثائق والإجراءات كالملفات العقارية وطلبات الحصول على تراخيص البناء.

ولقد اعتمد تطوير العقود الذكية على خصائص تقنية البلوك تشين والتي منها اللامركزية والحصانة من التعديل، وتعني اللامركزية أنه فور تسجيل العقد الذكي ونشره على شبكة البلوك تشين يحصل كل فرد في هذه الشبكة على نسخة من العقد ويعد ذلك بمثابة تسجيل أو توثيق رسمي للعقد، أما الحصانة من التعديل فتعني أنه فور نشر العقد لن يتمكن أحد الطرفين أو غيرهما من التعديل.

كما توفر منصة البلوك تشين (كمنصة رقمية آمنة) فرصة التقليل من آجال ومواعيد تبادل الوثائق، وإتاحة الفرصة للجميع للتأكد من صحة المستندات الثبوتية في الوقت المناسب، وبفضل تلك العقود ومع أتمتة بعض المهام والإجراءات التعاقدية يمكن تقليص الآجال والتكاليف مما يجعل من البلوك تشين والعقد الذكي أداة فعالة لتعزيز النجاح الاقتصادي للمسار التعاقدي.

وتكمن الفائدة المرجوة من إدماج العقد الذكي في منصة البلوك تشين، في أتمتة بعض مراحل التعاقد لا سيما مرحلة تنفيذه، وفي هذا الإطار تؤدي منصة البلوك تشين دور الغير المؤتمن بغية إقرار أسلوب التنفيذ الذاتي للعقد تكريساً لمبدأ «حتمية التنفيذ»، ومن ثم يوفر العقد الذكي إسهامات عدة بضمان تنفيذ العقد، وكذا تقوية الجزاءات المترتبة عن عدم تنفيذ بنود العقد، حيث تم تقديم العقد الذكي على أنه يتفوق في خاصية الأتمتة من خلال الاستغناء عن التدخل الإنساني ممثلاً في مشيئة المدين أو إرادة الغير المؤتمن، فبالاستعانة بمنصة البلوك تشين يسعى العقد الذكي إلى تحويل الأموال المستحقة بعد ثبوت تسليم الوثائق أو اكتمال وقائع أو تصرفات بحيث يتم توثيق تحقق هذه الشروط بواسطة هذه المنصة.

وبالإضافة إلى خاصية التنفيذ الفوري للعقد يمكن الاستعانة بالعقد لضمان التنفيذ التدريجي أو التنفيذ بالأقساط لبعض العقود كما في إطار بيع عقار لم يكتمل أو ما يدعى ببيع العقار على الخارطة، ففي إطار هذه البيوع يتم تسديد الثمن على أقساط حسب نسبة تقدم الأشغال فيمكن للعقد الذكي أن يتدخل هنا بواسطة منصة البلوك تشين ليثبت نسبة تقدم البناء بالاستعانة ببرنامج معلوماتي، ويقوم بالتحويل الآلي للمبالغ المستحقة بواسطة عملة مشفرة (البيتكوين أو غيرها) أو عن طريق الدفع الآلي في رصيد بنكي.

وهدياً بما تقدم يتضح لنا أن استخدام العقد الذكي خاصة والبلوك تشين عامة يعد خياراً قائماً يمكن من خلاله تعزيز عنصر الأمان أثناء مرحلة إبرام العقد وتنفيذه، نظراً للمخاطر المصاحبة لإجراءات التعاقد بسبب تعدد الأطراف وتشابك المستندات والوثائق المتعلقة بالعملية التعاقدية، حيث يمكن فقدان أحد تلك المستندات أو إرسالها لغير أصحابها وتعرضها لإمكانية التزوير، تلك العوامل يمكن أن تؤدي لبطء المسار التعاقدي وتعقيده، لذا فإن أتمتة بعض المهام باستخدام البلوك تشين يمكنه أن يحد من خطر تزوير الوثائق وتسهيل مهمة إثبات تسليم وتسلم الوثائق والمستندات بالتاريخ والوقت الصحيح، فضلاً عن تلافي أخطار إرسال البضائع والوثائق لجهة خاطئة.

طباعة Email
#