ريادة الأعمال والمرحلة المقبلة من نمو الاقتصاد الإسلامي

تتخطى ريادة الأعمال في الاقتصاد الإسلامي مفهومها التقليدي باعتبارها تأسيس رواد الأعمال لشركات جديدة بأنفسهم، وتحمّل كافة المخاطر والنتائج الناتجة عن ذلك، لكونهم مبتكرين وخَلَّاقين، ومصادر للأفكار الفريدة والمتجددة، وموفرين للمنتجات والخدمات المستحدثة وغير المسبوقة، حيث إن مفهوم ريادة الأعمال في الاقتصاد الإسلامي يعد جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد الأخلاقي، لأن التمويل الإسلامي هو في جوهره وفلسفته وواقع حاله تمويل أخلاقي، كونه عادلاً ويأخذ بعين الاعتبار التأثير على البيئة والاقتصاد والمجتمع، والأهم من ذلك أنه يعد تمويلاً ميسور التكلفة، كما يضمن اسـتخدام التمويل في مشروعات تنموية حقيقية تفيد المجتمع، إضافة إلى حرص التمويـل الإسـلامي علـى الربط بين الأرصدة المالية والأرصدة الحقيقية وعلى رفض اعتبار النقود أرصدة في حد ذاتها.

ويمتلك التمويل الإسـلامي العديد من الخصائص والسمات التي تحول دون وجـود مشكلات تمويلية جوهرية للمشروعات الصغيرة، بما تتضمنه من مزايا لا توجد في غيرها من أنظمة التمويل التقليدية، فهي تتسم بالتنوع والتعدد، وهناك أساليب للتمويل قائمة على التبرعات والبر والإحسان، وأساليب أخرى قائمـة على المشاركات، وأساليب تمويل قائمة على الائتمان التجاري، كما أنها متعـددة المجـالات مـن زراعة وصناعة وتجارة وخدمات، وكل هذا يتيح فرصاً ومجالات أكثر لتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة.

كمـا أن أساليب التمويل الإسلامية تقوم على أساس دراسات الجدوى من الناحية الاقتصادية، وعلـى أسـاس الحلال من الناحية الشرعية والأخلاقية، ولا تحول تلك الأساليب بين مؤسسات التمويل وأخـذ الضـمانات الكافيـة التي تؤمن أموالها.

كما أنها تنقل التمويل من أسلوب الضمان والعائد الثابـت إلـى أسـلوب الشراكة في المخـاطرة، والأهم أنها تغلب النشاط الإنتاجي على النشاط المالي، وترسخ مفهوم الرقابة والمتابعة على التمويل الممنوح، وتراعي ظروف المتعثرين، بما يجعلها أكثر أماناً في وجه التقلبات الاقتصادية.

وما من شك أن ريادة الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة تلعب دوراً رئيسياً في أي خطط تطوير اقتصادي، إذ يعتمد نمو الاقتصاد عليها بشكل أساسي كمولدات رئيسية لفرص العمل والدخل، وعندما تحظى المشاريع الصغيرة والمتوسطة بأشكال الدعم الذي تحتاج إليه، وعلى رأسها الحصول على تمويل ميسور التكلفة، فإنها لا تزدهر فقط، ولكن الاقتصاد بأكمله ينمو بشكل مستدام، وهو ما ينعكس بدوره على المجتمع والتنمية بمفهومها الأشمل.

ومن أجل تحفيز المرحلة المقبلة من النمو، بالارتكاز على الشركات الصغيرة والمتوسطة، والتي تمثل في المتوسط نحو 90 % من الأنشطة الاقتصادية عالمياً، سواء بالنسبة للاقتصاد الإسلامي، أو على المستوى الاقتصادي ككل، كان لا بد من العمل على استحداث إطار قانوني وتشريعي عالمي موحد لقطاع التمويل الإسلامي، وهي المبادرة التي تقودها دولة الإمارات من خلال وزارة المالية بالشراكة والتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية ومركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي.

ومن شأن هذا الإطار التشريعي العالمي أن يحد من التباين والاختلاف بين التشريعات والقوانين الناظمة لممارسات العمل في قطاع التمويل الإسلامي حالياً، نظراً لكونه يؤدي إلى تباطؤ عملية النمو، ويستهلك وقتاً ومجهوداً وتكلفة أكبر.

لقد برزت الحاجة في قطاع التمويل الإسلامي إلى تسريع النمو وتخفيف حدة التباين والاختلاف بين ممارسات العمل عالمياً، ولهذا سيكون وضع وتفعيل إطار عام يوحد القواعد إنجازاً كبيراً بالنسبة للقطاع وللاقتصاد الإسلامي بشكل عام.

ويعتبر التمويل الإسلامي القطاع الأكبر والأهم ضمن منظومة الاقتصاد الإسلامي، حيث يمتلك القطاع أصولاً بلغت 2.88 تريليون دولار أمريكي بنهاية عام 2019 مقابل 2.52 تريليون دولار أمريكي في 2018، محققاً زيادة في حجم الأصول بنسبة 13.9%. وقد شهد هذا المجال زخماً من الاستثمارات وعمليات الدمج وظهور منصات تمويلية جديدة في عام 2019؛ مدعوماً بالنمو في حجم الأصول.

ومن المتوقع أن يلعب التمويل الإسلامي دوراً رئيسياً في جهود التعافي من الآثار الاقتصادية السلبية الناجمة عن التفشي العالمي لجائحة كورونا، ولذلك فمن المحتمل أن تنمو حجم الأصول بمعدل نمو سنوي مركب لفترة خمس سنوات بمقدار 5%، بدءاً من 2019 فصاعداً حتى يصل حجم الأصول إلى إجمالي 3.69 تريليونات دولار أمريكي بحلول عام 2024.

وبالتزامن مع جهود استحداث إطار تشريعي عالمي للتمويل الإسلامي، يأتي مقترح تأسيس صندوق وقفي للابتكار وريادة الأعمال في الدولة لاستكمال الدعم اللازم للشركات الصغيرة والمتوسطة، لتوفير كل التحفيز المطلوب لهذا القطاع الحيوي الذي نعتقد أنه سيلعب دوراً حيوياً في المرحلة المقبلة من النمو القائمة على التنوع الاقتصادي والابتكار.

 

طباعة Email