التباعد الدولي ليس خياراً صائباً

في الأوقات العصيبة، وحدهما الجرأة والقدرة على الابتكار، هما السبيل لإنجاح إيقاد شرارة الإبداع الإنساني، وهذا ما حدث قبل 102 عام، وتحديداً في 1919، عندما ولدت فكرة غرفة التجارة الدولية (ICC)، بفضل الروح المثابرة والريادية لمجموعة صغيرة من رجال الأعمال. وقد عُرفت هذه المجموعة لاحقاً باسم «تجار السلام».

أصبحت دولة الإمارات خلال أقل من 50 عاماً، نموذجاً يحتذى في النمو الاقتصادي والتنمية، وباتت قطاعات الدولة الحيوية، لا سيما التجارة والخدمات اللوجستية، تقود عجلة التنوع الاقتصادي فيها، مدعوماً بثقافة التنوّع والتناغم بين الجنسيات، سواءً في العمل أو السياحة في الدولة.

وباعتقادي، إن مفتاح نجاحنا في الإمارات، يتمثل في حرص القيادة الرشيدة على تبني ثقافة الابتكار والعمل على تحقيق التنوع الاقتصادي، وهذا ما يتماشى مع مهمة غرفة التجارة الدولية، المتمثلة في العمل على تحقيق الازدهار الاقتصادي للجميع.

وتعتبر غرفة التجارة الدولية، أحد أكبر الكيانات الممثلة لقطاع الأعمال (القطاع الخاص) في العالم، والناطقة باسم ملايين الشركات في أكثر من 130 دولة، وتعمل على تسهيل التعاملات التجارية الدولية، التي تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات، من خلال وضع قواعد ومعايير تجارية رصينة، وحل النزاعات.

وفي الإمارات، بات قطاع التجارة والتكنولوجيا الذكية، من المحركات الأساسية للاقتصاد الوطني، ومن المتوقع أن تتزايد إسهاماتهما بشكل مطرد، فعلى سبيل المثال، ووفقاً لجمارك دبي، ارتفعت معاملات البيانات الجمركية بنسبة 30 % في عام 2020، مع حصول 97 % من المعاملات على موافقة إلكترونية، عبر منصة مساحات العمل الذكية التابعة لجمارك دبي.

وهو ما حظي بإشادة وتقدير الكثيرين، لكن لا يمكننا تحقيق نجاح جماعي، ضمن غرفة التجارة الدولية، إلا من خلال تعزيز التواصل مع شركائنا، وإعادة فتح طرق التجارة وتبادل الخبرات. إن التأثير الإيجابي لتخفيف حدة التوترات الجيوسياسية، ودفع الحوار الآن في سياق تعزيز التجارة، يعد أمراً بالغ الأهمية لتعزيز الروابط التجارية، بما يعود بالفائدة على الجميع.

لقد كان تأسيس غرفة التجارة الدولية، مدفوعاً بالحقائق والتحديات التي واجهها المجتمع الدولي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وما خلفته من خوف وهلع وانهيار اقتصادي، وحمائية تجارية، وانعزالية. ولعلنا نمر حالياً في ظروف مشابهة، مع انتشار «كورونا»، وتحوله إلى وباء عالمي، حيث نواجه تحديات خلال محاولة التغلب عليه.

ومع تفشي فيروس «كورونا» (COVID 19)، أوائل العام الماضي 2020، خرجت الكثير من عمليات غرفة التجارة الدولية – فرع الإمارات (ICC-UAE)، عن مسارها الطبيعي، ومع ذلك، فإن فرع الإمارات، كما هو الحال بالنسبة للمنظمة الأم، تأسس على مبدأ القوة، حيث أسهمت القوة الجماعية لفرع الإمارات، من خلال عضويته القوية والموحدة، في تمكينه من الابتكار في مواجهة الظروف الصعبة، وتنويع وسائل الاتصال والتفاعل مع أعضائه داخل الدولة، فضلاً عن التواصل مع اللجان المحلية الأخرى لغرفة التجارة الدولية حول العالم، لتقديم الدعم لمن يحتاجه. عندما أعود بذاكرتي إلى أنشطة غرفة التجارة الدولية في الإمارات قبل الوباء، أجد أنها كانت ناجحة حقاً، بل تم وضع معايير عالية. فقد كان فرع الإمارات من بين أكثر 10 فروع محلية تابعة لغرفة التجارة الدولية نشاطاً في العالم.

فعلى الرغم من سلبيات الوباء، التي لا تحصى ولا تعد، إلا أنه أسهم في تعزيز مرونتنا وكفاءتنا وتفهمنا لاحتياجات أعضائنا. فقد أثمر تسارع وتيرة الابتكار والتنوع الاقتصادي، في تبني وإدماج التكنولوجيا الرقمية المتقدمة في عملياتنا التجارية واتصالاتنا. لم نستسلم أبداً! بل على العكس، عملنا على تحويل التحديات إلى فرص.

وخلال العام الماضي فقط، عملت غرفة التجارة الدولية-الإمارات، بالشراكة مع 10 شركاء، ضمن شبكتها العالمية على تنظيم وتقديم فعاليات تيسير التجارة المشتركة، وقد استقطبت إحدى الفعاليات الافتراضية، أكثر من 800 مشارك من 21 دولة حول العالم.

كما نظمنا فعاليات مهمة، بالشراكة مع المعهد الدولي للقانون والممارسات المصرفية وبنك التنمية الآسيوي، ولدينا بعض الفعاليات والمنتديات الافتراضية رفيعة المستوى في الشهر المقبل مع البنك الأوروبي، لإعادة الإعمار والتنمية، الذي ينضوي تحت مظلة مجموعة البنك الدولي، وأيضاً مع المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة، وهي أيضاً تندرج تحت مظلة البنك الإسلامي للتنمية.

وسوف نستضيف خلال أبريل، المؤتمر السنوي للتجارة والتمويل الدولي، بين 6 إلى 7 أبريل 2021، إما بنسخة افتراضية أو تقليدية، حيث تلقينا الكثير من الاستفسارات حول هذا الحدث المهم، من العديد من دول العالم.

كما شهد عام 2020، حراكاً ملحوظاً، وسعياً مستمراً لتطوير علاقاتنا مع الأطراف الفاعلة في العالم، لا سيما الجهات التي تشاركنا رؤيتنا الهادفة إلى تعزيز حركة التجارة والاستثمار، وخلق بيئة أعمال مستدامة.

كان 2020، بلا شك، عاماً مليئاً بالتحديات، التي واجهت مختلف قطاعات الأعمال والأفراد في جميع دول العالم، ومع ذلك، لم تدخر غرفة التجارة الدولية - الإمارات، أدنى جهد في معالجة الآثار السلبية الناجمة عن تفشي فيروس «كورونا»، وتعزيز شبكة غرفة التجارة الدولية، من خلال دعم الجهود المشتركة وبناء القدرات، وهو ما سينعكس على إثراء خبرة غرفة التجارة الدولية - الإمارات، في مجالات عديدة، مثل التكنولوجيا والخدمات المصرفية والتميز في الخدمة.

ها نحن اليوم على أعتاب الخروج من أزمة وباء «كوفيد 19» العالمية، التي تشبه الظروف التي واجهت أسلافنا، الذين أسسوا غرفة التجارة الدولية قبل 102 عام. لم تحسم الحرب بعد، وبالتأكيد، ستكون هناك تحديات علينا تجاوزها، وعقبات يجب التغلب عليها، لكي نمضي قدماً نحو المستقبل، بروح من التعاون والتفاؤل، لخدمة المجتمع الدولي.

لقد أثمر النهج الثاقب والديناميكي للقيادة الرشيدة، والعناية الصحية الفائقة، التي توليها الدولة، عن تقديم أكثر من 4 ملايين لقاح ضد فيروس «كورونا» للمواطنين والمقيمين، وسيدعم هذا النهج الحاسم، المنطقة والعالم بأسره، باعتبار الإمارات واحدة من أهم نقاط الربط في سلسلة التوريد التجارية العالمية.

*رئيس غرفة التجارة الدولية في الإمارات

طباعة Email