سقوط «نظرية المؤامرة» في اغتيال كينيدي

في مثل هذا اليوم منذ 57 عاماً، اغتيل الرئيس الأمريكي جون إف. كينيدي، في الحادث الشهير، أثناء مرور موكبه الرئاسي في أحد شوارع مدينة دالاس بولاية تكساس الأمريكية. وبرغم مرور ما يزيد عن نصف قرن على الحادث، إلا أنه لا يزال حتى الآن تفسيرات تنتمي إلى نظرية المؤامرة.

وبرغم سقوط غالبية هذه النظريات، إلا أن غيرها ما زال يتكوّن ويخرج إلى النور ليحل محل ما سقط. ومن أهم المبررات التي تبدو منطقية - نظرياً- لاعتناق العديد من المحللين لفكرة نظرية المؤامرة في اغتيال كينيدي، أن قاتله، الشاب الأمريكي ذا الأفكار الشيوعية، لي هارفي أوزوالد، قد قُتِلَ هو نفسه بعد يومين فقط من ارتكاب جريمته. وجاء مقتل أوزوالد بطلق ناري وهو في مقر شرطة «دالاس» المركزية وعلى الهواء مباشرة أمام الملايين من مشاهدي التلفزيون على مستوى العالم.

ويعد فيليب شينون، المحرر المختص بشؤون الجرائم لدى صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، من أهم المنظرين الخبراء من معتنقي نظرية المؤامرة في اغتيال كينيدي. ويرى شينون أن المكسيك هي المكان الأمثل لإيجاد أجوبة تفسر نظرية المؤامرة في الحادث وتكشف مدبّريه الحقيقيين.

ولكن لماذا المكسيك تحديداً؟ قبل شهر واحد فقط من اغتيال كيندي، استقل أوزوالد حافلة من تكساس التي تقع في جنوب الولايات المتحدة، وبالقرب من حدودها مع المكسيك إلى «مكسيكو سيتي»، ومكث هناك خمسة أيام.

شينون وغيره من أنصار نظرية المؤامرة، يرون أن أوزوالد ذهب إلى العاصمة المكسيكية قبل شهر من ارتكاب حادث الاغتيال، ليلتقي هناك شيوعيين وجواسيس كوبيين «كانت كوبا آنذاك معقلاً للشيوعية في مواجهة الساحل الجنوبي الغربي للولايات المتحدة، وعلى بُعد 150 كيلومتراً فقط من سواحل ولاية فلوريدا الأمريكية، ليدبّروا معاً اغتيال كينيدي.

وعلى الجانب الآخر، يرى آخرون أن أوزوالد مجرد شاب يساري متأثر بالفكر الشيوعي إلى حد الهوس، وفي إحدى نوبات الاهتياج اغتال رئيس الدولة التي تقود الفكر الرأسمالي في العالم، عندما أتيحت له الظروف المناسبة.

كانت المكسيك آنذاك أحد أهم البؤر الساخنة للصراع بين المعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة، والكتلة الشرقية الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي المنهار، وهو الصراع الذي عرف تاريخياً باسم «الحرب الباردة». وحظيت المكسيك بمكانة فريدة في خضم ذلك الصراع، حيث كانت ملتقى لمؤيدي كلٍ من المعسكرين، فكانت مأوى للمنفيين من الاتحاد السوفييتي، وفي الوقت نفسه ملاذاً آمناً لليساريين الأمريكيين الرافضين لحركة اضطهاد الشيوعيين التي كانت رائجة آنذاك في بلدهم، وعُرفَت باسم «المكارثية».

كان لكل بلد يساري ورأسمالي سفارة في «مكسيكو سيتي»، والتي كانت العاصمة الوحيدة آنذاك في نصف الكرة الغربي التي يتعايش فيها الأعداء من المعسكرين معاً على نحو علني.

ووفقاً لشهادات من دبلوماسيين كان أعضاء في بعثتي كوبا والاتحاد السوفييتي الدبلوماسيتين لدى «مكسيكو سيتي» وقت زيارة أوزوالد لها، فإن هذا الأخير تردد على سفارتي بلدهما أكثر من مرة يومي الجمعة والسبت، طلباً لاستصدار تأشيرة زيارة إلى البلدين، واللذين كان محظوراً على المواطنين الأمريكيين زيارتهما آنذاك.

وعندما علم أوزوالد من المسؤولين في السفارتين أن استصدار التأشيرة سيستغرق شهوراً، تصرف بحماقة وأثار المشاكل. ففي سفارة كوبا، خاض في مناقشة متوترة مع القنصل الكوبي. وفي سفارة الاتحاد السوفييتي، أخرج سلاحاً نارياً من جيبه قبل أن ينفجر في البكاء ويغادر المبنى، إلا أن تصرفه أدى إلى إلغاء مباراة في الكرة الطائرة، كانت السفارة تخطط لتنظيمها في ذلك اليوم بين ضباط في جهاز الاستخبارات السوفييتي السابق «كيه جي بي».

ومن المعروف أن أوزوالد اعتنق الفكر الشيوعي، ثم انشق إلى الاتحاد السوفيتي وتزوج هناك من فتاة روسية، ثم عاد إلى بلده مجدداً عام 1962.

ولكن برغم كل هذه الشواهد، لا يوجد حتى الآن دليل واحد ملموس، يؤكد أن أوزوالد التقى مسؤولين سريين روساً وكوبيين ليخططوا لاغتيال كيندي. وأما عن شهادة الدبلوماسيين، فهي تنفي نظرية المؤامرة أكثر ما تبتّ في صحتها.. فالأقرب إلى المنطق أن إخفاقه في الحصول على تأشيرة دخول إلى الاتحاد السوفييتي وكوبا زاد حنقه على الرأسماليين. وعندما شاءت الأقدار الإلهية أن يعود أوزوالد إلى موطنه في دالاس، ليتفاجأ بعد أقل من شهر من عودته بزيارة كينيدي إلى المدينة، فكانت فرصته المواتية للتنفيس عن حنقه، وقد كان.

وأما عن اغتيال أوزوالد نفسه، فقد وقع بأيدي مواطن من أهل «دالاس» غاضب منه لأنه اغتال كينيدي.

كل ما سبق هو بطبيعة الحال هي في نهاية الأمر تخمينات وترجيحات، ولا أحد يستطيع أن يدّعي معرفة حقيقة اغتيال كيندي على وجه التحديد. ولكن من واقع التحليلات المنطقية للحدث، والروايات التي سردت عنه، نستطيع القول- حتى الآن على الأقل- إن نظرية المؤامرة في اغتيال كينيدي سقطت في المكسيك.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات