إلى الذين يتاجرون بفوز بايدن

يبدو أن فوز جو بايدن بالانتخابات الأمريكية فتح شهية الواهمين، والطامحين في الباطل، ونجوم الفوضى، ومهندسي التخريب، ودعاة مواسم الربيع المزعومة، فوز الديمقراطيين دفعهم إلى انتحال سياسة الرئيس الجديد تجاه المنطقة والشرق الأوسط، حسب أمنياتهم، وليس وفق رؤية بايدن نفسه. امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي، وأبواقهم الإعلامية بسيناريوهات وهمية ينسبونها إلى الرئيس الأمريكي الجديد، نصّبوا أنفسهم أوصياء على البيت الأبيض، خرجوا من خنادقهم وجحورهم، ظناً منهم أن بايدن هو الرجل الذي كانوا ينتظرونه للخلاص مما وقعوا فيه.

أتحدث عن فلول التخريب والقتل وقطاع الطرق السياسية، ومقاولي الهدم الاقتصادي، ومروجي الشائعات، والمتحالفين ضد الوطنية المصرية، والجالسين على الشاطئ في انتظار استئناف موجة جديدة من ربيع الفوضى.

وفى الحقيقة أقول لهؤلاء الذين يدعون أنهم ممثلو فكر ورؤية الرئيس الأمريكي الجديد، عليكم إدراك عدة محددات ومتغيرات جرت في السنوات العشر الماضية في المنطقة العربية والإقليم، في مقدمتها على سبيل المثال، أن الدولة المصرية لم تعد هي الدولة التي باغتموها بيد الغدر، في لحظة نادرة، قادت شعبها لأن يكون أسيراً لأخطار خادعة، فالشعب المصري صارت لديه مناعة وحصانة ضد أمراض الخديعة الكبرى، فلا تزال مشاهد القتل والفوضى والتخريب وهدم مؤسسات الدولة، والتخابر ضد الأمن القومي ماثلة في أذهان المصريين.

مواجهة كل هذه المشاهد باتت أمراً لا يقبل القسمة على وجهات النظر، فمن غير المقبول، ومن غير المسموح به، أن الدولة المصرية بحضارتها الواسعة وتاريخها العميق تلدغ مرتين، انتهى الدرس، لا وصاية خارجية على الشعب، وهو لم ولن يقبل، فعلى مختبرات صناعة التخريب أن تغلق أبوابها، فالمتغيرات الجديدة التي شكلت الدولة المصرية، جعلتها أكثر ثباتاً ورسوخاً وقوة، الدولة التي نجت من تحديات صعبة عندما كانت شبه دولة، تستطيع الآن أن تواجه العالم، وهي دولة قوية راسخة، لديها مؤسسات صلبة وقادرة على حماية حاضر ومستقبل شعبها، دولة استطاعت أن تستعيد عافيتها الاقتصادية والسياسية بشكل أسرع مما كان متوقعاً، الأمر الذي جعلها في مصافّ الدول الكبرى التي تتقاطع وتتشارك في القرارات على مائدة المفاوضات الدولية في مختلف المجالات، وبالتالي يمكننا القول، إن مصر تقف الآن على أرض صلبة في مواجهة المتغيرات الدولية، فقرارها نابع من استقلال تام في الرؤية والحفاظ على الأمن القومي المصري.

أما فيما يتعلق بالإقليم العربي المتمثل في دول الخليج العربي الوطنية، وشعوبها الواعية، وأيضاً شعوب بلاد الشام والعراق، وشعوب دول شمال إفريقيا، فإنني أستطيع القطع بأن هذه الدول وشعوبها صارت لديها مناعة قوية ضد كل مخططات نيران الخديعة التي انتشرت في الجسد العربي، قتلاً وتشريداً وتدميراً.

الدول العربية شعوباً وحكاماً، باتت سداً منيعاً أمام أية محاولات، لمجرد التفكير في تكرار أي شيء يشتبه أنه ضد استقرار مفهوم الدولة الوطنية، بمؤسساتها الحامية للأمن القومي العربي الذي تعرض خلال السنوات العشر الماضية لتصدعات، لا تزال آثارها ممتدة إلى الآن، وهنا علينا التأكيد بأن الوعي العام العربي والإقليمي، قد تغيرت لديه المفاهيم، وأعاد حساباته تجاه الاستقرار بعد أن ذاق مرارة فقدان الأمن والأمان، وبعد أن ضربته الأزمات الاقتصادية في مقتل، وبعد أن شاهد طفله يذبح أمام عينيه، وبعد، وبعد أشياء كثيرة.

الصورة الذهنية للشعوب العربية تقول: إنها أصبحت أكثر ثباتاً ووعياً، وإدراكاً لما يحاك ضدها من مؤامرات، فقد كشفت صراعات أجهزة الاستخبارات العالمية عن وثائقها، التي تضمنت خطط التآمر على المنطقة العربية.

أما المتغير المركزي في معادلات التعامل مع الشعوب العربية بالإقليم، فهو النهاية الحقيقية لفكر جماعة «الإخوان» الإرهابية من وجدان الشعوب العربية، فقد أثبت التنظيم الدولي الإرهابي أمام العالم، أنه يعمل وفق جدول أعمال إرهابي، ولصالح قوى أجنبية، ولعلنا نؤكد ذلك، عبر عدة شواهد واقعية عاشتها مصر عبر تاريخها الحديث، وتعيشها أوروبا الآن، فها هي النمسا وفرنسا، وألمانيا، والسويد، وإيطاليا، وبلجيكا، وعموم الاتحاد الأوروبي صارت لديهم قناعة عميقة وقرائن ووثائق، تقول: إن التنظيم الدولي لهذه الجماعة يقوم بهدم أوروبا من الداخل، عبر تجنيد وتوظيف جماعات العنف والمرتزقة لارتكاب الجرائم الإرهابية.

كل هذه المتغيرات تدفعنا لأن نقول للمتربصين بالشعوب العربية، لا تتحدثوا باسم البيت الأبيض، ولا تنتحلوا صفة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن، فجميع الحسابات قد اختلفت، سواء في أمريكا نفسها أم في المنطقة العربية، فالرئيس الأمريكي لديه خبرة أكثر من 45 عاماً في لجان الشؤون الخارجية بالكونغرس، ويدرك جيداً أن مصالح أمريكا مع الدول وليست مع الجماعات الإرهابية.

* رئيس تحرير «الأهرام العربي»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات