التحديات الراهنة وفرص قطاع الأعمال لدعم مستقبل الاستدامة

تختلف نظرتنا إلى فترات الأزمات بحسب اختلاف مواقعنا، فبينما نتفق جميعاً على أننا نمر بمرحلة غير مسبوقة، تنظر المؤسسات القيادية الرائدة في مجتمعاتها إلى تلك الأوقات على أنها «الفرصة المواتية» لإحداث التغيير وإعادة البناء بطريقة إيجابية ومستدامة يصل أثرها إلى الأجيال المقبلة. ولربما كانت المؤسسات التجارية وغيرها تسعى للتقدم على عدة مستويات وفق جداول زمنية محددة لكن الأزمة الراهنة جاءت محفزاً لتسريع تلك الجهود. فما كان من المفترض أن يحدث غداً أصبح لابد أن يكون جاهزاً اليوم.

وبنظرة أكثر دقة أصبح على الشركات اليوم ضمان وجود سلاسل توريد أكثر استدامة وامتلاك رؤية تركز بشكل أكبر على الاقتصاد الأخضر، وأن تتمتع بمسؤولية الابتكار المجتمعي. لقد كانت سلسلة التوريد هي أول عناصر التجارة التي حظيت باهتمام المؤسسات، حيث كانت من بين أكثر القطاعات تأثراً بتبعات جائحة (كوفيد 19) وما أسفر عنها من إغلاق للحدود وانخفاض الرحلات الجوية للمسافرين التي كانت تقل البضائع أيضاً، الأمر الذي دفع المؤسسات والشركات وشبكات الموردين إلى إعادة النظر في مسببات هذا الاضطراب وقياس مدى جاهزيتهم في إطار «الوضع الطبيعي الجديد».

وتشير دراسة أجرتها «ماكنزي» المتخصصة في الاستشارات الإدارية شملت 60 من كبار المديرين التنفيذيين إلى أن 93% منهم أعربوا عن حاجتهم إلى تعزيز مستوى مرونتهم فيما يخص سلاسل التوريد الخاصة بأعمالهم.

كما أظهرت الدور المهم الذي تلعبه الحلول التكنولوجية للمساهمة في خفض مستويات البصمة الكربونية، وتعزيز مبادئ الاستدامة في قطاع سلاسل التوريد. وأعرب 85% ممن شملتهم الدراسة عن عدم توافر التقنيات الرقمية الكافية لتعزيز سلسلة التوريد، وعلى الجانب الآخر أبدى 90% رغبتهم في تعزيز قدراتهم الرقمية في إدارة سلاسل التوريد ونيتهم تبني الحلول المتقدمة التي توفرها تقنيات مثل «بلوك شين».

وفيما يخص الاقتصاد الأخضر، فنحن بحاجة إلى اعتماد نهج تعاوني يجمع الحكومات والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية معاً لتمويل المشاريع الخضراء. حيث يتمحور الهدف من ذلك بشكل أساسي حول تغليب المصالح التكاملية على المنفعة الذاتية. ولربما يأتي ذلك من خلال تعزيز حرية حركة البضائع، مع الأخذ بعين الاعتبار الانبعاثات الكربونية، واعتماد المبادئ الإرشادية التي طوّرتها فرقة العمل المعنية بالإفصاحات المالية المتعلقة بالمناخ.

إن الاستدامة بطبيعتها عمل ابتكاري يهدف بشكل أساس إلى إقامة مجتمعات منصفة، حيث يمكن للجميع المساهمة في جهود تعزيز الاستدامة، وقد أطلقت شركة مايكروسوفت مبادرة لمساعدة 25 مليون شخص من رواد الأعمال وغيرهم حول العالم لاكتساب المهارات الرقمية، التي تساعدهم على التكيف مع التداعيات الاقتصادية للجائحة.

ومن أبرز الأمثلة أيضاً، تلك الشبكة الواسعة من القادة العالميين الشباب المنضوين تحت مظلة المنتدى الاقتصادي العالمي، والذين يمكن الاستفادة من طموحاتهم لإحداث التغيير الإيجابي. حيث تتوفر لديهم مجموعة واسعة من المشاريع الابتكارية التي تشمل القضاء على الفساد، وتوفير البيانات المفتوحة، وتبادل المعارف بين صغار المزارعين وتطوير تقنيات إنتاج الوقود الأخضر وبدائل البروتين النباتي وعليه يتوجب على المؤسسات التجارية والعامة في منطقتنا دعم هؤلاء بشكل فعّال حتى نتمكن جميعاً من إنجاز المزيد من الابتكارات التحويلية.

جاءت أزمة (كوفيد 19) بالعديد من الدروس المستفادة، وتعلّمنا الكثير في فترة وجيزة، وربما تعثر البعض لكننا جميعاً أدركنا ضرورة وجود نماذج أعمال وتمويل وسلاسل توريد مستدامة وأهمية دعم الابتكارات، والتي تعد جميعها أساسيات تمكننا من تحمّل أي نوع من صدمات السوق سواءً كانت مالية أو صحية أو إلكترونية. واليوم دعونا نوحّد جهودنا ونتأكّد من أن الاستدامة في جوهر جهودنا لإعادة البناء واستعادة النشاط لما في مصلحة الأجيال الحالية والمستقبلية.

*الرئيس التنفيذي لشركة «ماجد الفطيم»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات