التنوع البيولوجي وصحة المحيطات.. معادلة النمو الاقتصادي وحماية البيئة

في وقتٍ تشهد القضايا البيئية تراجعاً في ترتيبها على أجندة عمل العديد من دول العالم حالياً لصالح أولويات التعافي الاقتصادي من الركود الذي سببته جائحة فيروس كورونا المستجد، يُسجل المجتمع الدولي تفاقماً حاداً في معدلات فقد التنوع البيولوجي وأعداد النباتات والحيوانات المهددة بخطر الانقراض، وتراجع صحة المحيطات.

هذه المعادلة غير المتوازنة للتحرك العالمي بين الاهتمام بالنمو الاقتصادي وحماية البيئة، شكلت محور نقاش «قمة التنوع البيولوجي» و«مؤتمر المحيطات» اللذين عُقدا الأسبوع الماضي ضمن أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بهدف خلق حالة من التحفيز العالمي لجهود العمل البيئي والحفاظ على التنوع البيولوجي وضمان استدامته، وحماية المحيطات.

الإشكالية في التعامل مع هذه القضايا هي أن الحقائق والأرقام التي يتم تسجيلها صادمة للغاية، وتتنامى بشكل سريع، وتؤكد جميعها ضرورة تكثيف وتعزيز الجهود الدولية لضمان الحفاظ على التنوع البيولوجي الذي يمثل مكوناً رئيساً في استمرارية الحياة على كوكب الأرض، ففي الوقت الحالي هناك ما يزيد على مليون نوع حي على قوائم الأنواع المهددة بالانقراض - بحسب الأمم المتحدة - وما يزيد على ثلث الأنواع المعروفة سيواجه خطر الانقراض خلال الأعوام الـ 30 المقبلة، و25% من الثدييات وحدها سينقرض في غضون 20 عاماً - بحسب الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة.

الحاجة الماسة لسرعة التحرك الدولي أكدت عليها دولة الإمارات خلال المشاركة في فعاليات القمة انطلاقاً من نموذجها في حماية البيئة بشكل عام، والحفاظ على التنوع البيولوجي وتحقيق استدامته الذي بدأته قبل خمسة عقود منذ تأسيسها، وسجل تطوراً فعّالاً بفضل رؤية وتوجيهات القيادة الرشيدة، حيث حققت الهدف 14.5 من أهداف التنمية المستدامة، والهدف رقم 11 من أهداف إيتشي، وساهمت في الحفاظ على العديد من الأنواع المهددة بالانقراض وتأهيلها وإعادة تأهيلها محلياً وعالمياً مثل المها العربي والأفريقي.

حماية وضمان استدامة التنوع البيولوجي يتطلبان اعتماد منظومة متكاملة تشمل إيجاد بنية تشريعية وقانونية وإطلاق برامج ومشاريع والمشاركة في المبادرات الدولية، وهو ما طبقته دولة الإمارات واستعرضته خلال القمة ليمثل نموذجاً وتجربة ناجحة للجهود المطلوبة في هذا المجال، ويعد «صندوق محمد بن زايد للمحافظة على الكائنات الحية» الذي خصص أكثر من 20 مليون دولار أمريكي لدعم مبادرات الحفاظ على 1400 نوع حي مهدد بالانقراض في 180 دولة حالة متميزة لمبادرات الدعم العالمي الفعّالة لحماية التنوع البيولوجي.

هذه الحاجة لتكثيف التحرك الدولي لا تقتصر على حماية البيئة البرية وتنوعها البيولوجي بل تنسحب أيضاً على البيئة البحرية والمحيطات التي باتت تعاني من تحديات وضغوطات هائلة، حيث ترتفع معدلات تلوثها بشكل دائم، وتسجل نسب حموضتها زيادة كبيرة تؤثر على قدرة الأحياء البحرية على الحياة، حيث تتراجع معدلات الأوكسجين في المياه، في وقت تقدر القيمة التي تمثلها المحيطات لحركة الاقتصاد العالمي بـ 1.5 تريليون دولار سنوياً، ويوفر الاقتصاد المرتبط بمصايد الأسماك المحيطية 350 مليون وظيفة حول العالم، جميعها مهددة بالتراجع التدريجي والاختفاء.

أهمية البيئة البحرية والمحيطات أدركها المجتمع الإماراتي قبل تأسيس دولته لما مثلته من أهمية اقتصادية وارتباط وثيق بعاداته وثقافته، لذا حرصت الدولة على المشاركة في تنظيم «مؤتمر صحة المحيطات» على هامش أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، لتوجه مطالبة للمجتمع الدولي بضرورة تسريع وتيرة العمل لحماية المحيطات من ارتفاع معدلات التلوث التي تفتك بتنوعها البيولوجي، ومن ارتفاع درجات حرارة الأرض التي تخفض معدلات الأوكسجين بها وترفع نسب حموضتها.

وعبر المؤتمر وجهت دولة الإمارات رسالة للعالم بأهمية تعزيز منظومة الاقتصاد الأزرق التي تولي اهتماماً كبيراً بالبيئة البحرية باعتبارها القناة الأهم لحركة التجارة العالمية، وأحد مصادر الأمن الغذائي لضمان الحفاظ على صحة المحيطات وزيادة معدلاتها.

حماية البيئة تحتاج دوماً للمبادرة والتحفيز، لذا ستستضيف دولة الإمارات مؤتمر «علوم المحيطات الدولية في الشرق الأوسط» العام المقبل، والذي سيمثل منصة فاعلة لمناقشة كل القضايا البيئية، وبالأخص المتعلقة بحماية التنوع البيولوجي وتعزيز صحة المحيطات وضمان استدامتهما، وتحفيز صناع القرار في القطاعين الحكومي والخاص عالمياً على الالتفاف حول قرارات وتوجهات محددة من دورها تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في المقام الأول وحماية البيئة وضمان استدامتها بشكل عام، لضمان مستقبل أفضل للأجيال الحالية والقادمة.

العمل من أجل البيئة لم يعد اختياراً أو يتحمل التأجيل والإرجاء، بل هو السبيل الوحيد لمواجهة التحدي المصيري لمستقبل البشرية وكوكب الأرض بشكل عام، ويحتاج إلى تكثيف فوري للجهود وتعزيز لحالة التعاون العالمي.

لم نعد نملك الوقت لمزيد من النقاش والجدال حول إمكانيات الحل أو التطوع للعمل، فالالتزام وحده هو ما يضمن لنا إيجاد مستقبل مستدام للأجيال الحالية والمقبلة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات