الديون أزمة مجتمعية

يتردد على مسامعنا كثيراً عبر قنوات الإعلام المرئية والمسموعة، ومن خلال الجمعيات الخيرية، وجمعيات النفع العام مدى معاناة الأفراد، الذين أثقلت كواهلهم الديون، لأنهم استسهلوا اللجوء للاقتراض من البنوك رغبة في توفير المال، لشراء الكماليات غير الضرورية، بسبب سوء التخطيط لتقدير الاحتياجات، وهوس الشراء، الذي بات يهدد كثيراً من الأسر.

ويُعدّ التسوق أحد الأمور الممتعة والجالبة للسعادة لكثير من شرائح المجتمع، كما يعد عملية تنفيس عن الإحساس بالملل والضجر، ولكنّ مقياس هذه المتعة يختلف من شخص إلى آخر، فالذكور غالباً ما يزورون مراكز التسوق لشراء حاجات بعينها، ويخرجون عند الحصول عليها، أما النساء فيصبح التسوق عندهن تسلية ومصدر سعادة، فكيف نكبح جماح هوس التسوق لغير الضرورة، وقبل أن تُفرغ الجيوب، ويقع المرء تحت داعي الاقتراض.

يعلق خبراء نفسيون على إدمان التسوق بأنه رغبة في اقتناء كل شيء يثير الانتباه، ويتحقق أحياناً بتكرار شراء السلعة، بغض النظر عن مدى الحاجة إليها، وربما لمجرد أنها تُعرض بسعر منخفض، ويصبح التسوق والشراء إدماناً يشعر معه المشتري بسعادة مؤقتة عند شراء السلعة، لكنّ ذلك الشعور المؤقت بالسعادة من اقتناء السلعة يَضْمَحِلُّ بعد سويعات من عملية الشراء، حين يبدأ شعور حقيقي بالندم على ما كان من تضييع المال في غير حاجة، ويشتد التساؤل: لماذا اقتنيتُ هذه السلعة؟! وكان يجدر بي أن أحتفظ بقيمتها لشراء سلعة أكثر أهمية! وهذا يشير إلى أن هذا الشخص يعاني من اضطراب في التحكم بعملية الإنفاق.

ويغدو الأمر أشد ألماً على المشتري، الذي دفعته نفسه للديون، والاقتراض من البنوك رغبة في اقتناء هذه السلعة وتلك، تلبية للشعور الوهمي بالسعادة والنشوة، أو هروباً من واقعه الحقيقي، وهنا يقترب الشخص المهووس بالشراء من الشخص المدمن، الذي لا يستطيع التخلي عن الجرعة حين يتهيأ له أنها ستجلب له السعادة، فيستخدمها تحت داعي الحيلة النفسية اللاشعورية عنده، ما يجعله أسيراً للإدمان، أو ساقطاً بين براثن الديون بكامل رغبته.

يعود الهوس بالشراء لأسباب عدة، منها بعض العادات الخطأ التي تعوَّدَ عليها الشخص منذ الطفولة، إذ لم يتعلم مدى أهمية المال، ولا كيف يتم إنفاقه، ولا كيف يكون الشخص سعيداً عندما يبتعد عن الإسراف، ويرى علماء النفس أنّ الاكتئاب والحرمان أو الفراغ العاطفي وتوفّر المادة من أبرز الأسباب المؤدية لهوس الشراء عند الرجال والنساء على السواء، ناهيك عن عنصر مقارنة الشخص نفسه بغيره، وقد باتت هذه المقارنة الناقصة سبباً واضحاً لاقتناء الكثير من السلع التي تحمل أسماء وعلامات تجارية عالمية باهظة الثمن، وذلك من باب التفاخر، وتعويض الشعور بالنقص في كثير من الأحيان، لأن هذا الشخص يعاني من سوء التقدير لذاته، مع شعور داخلي عميق بالحرمان.

ومن المؤكد أن كثيراً من الناس يغفلون عن حقيقة مهمة يتفق عليها أغلب علماء النفس والتربية وهي: أن النفس البشرية كلما أعطيتها زادت حاجتها، وزاد تمسكها بالشيء وإلحاحها عليه، والمدمن على الشراء شخص أرهق جيبه، وأنفق ماله في ما لا ينفعه، ضارباً عرض الحائط بعناصر عدة، أهمها التفاوت بين الأفراد في القدرة الشرائية، إذ هناك فرق بين مَن يملك أصولاً مالية متنوعة كعروض التجارة والعقارات والأسهم والسندات، ويمكنه اقتناء ما يريد دون عناء، وبين الأشخاص، الذين يقعون في فخ الديون، وهم يعلمون أن الراتب الشهري هو مصدر دخلهم الوحيد.

* مدير جامعة الوصل

drmohdahmed@gmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات