الذكاء الاصطناعي الخيار الأفضل لمواجهة كوفيد-19

اجتمع عدد من ألمع العقول في مجالات العلوم والرياضيات في عام 1956 لزراعة بذرة ما يعرف الآن بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والتي شهدت على مدار الخمسين عاماً الماضية تسارعاً ملحوظاً لتصبح أحد أهم التقنيات المتقدمة الرئيسية في عصرنا الحالي، ولتكون من أبرز الركائز التحويلية في العديد من القطاعات الحيوية مثل النفط والغاز والنقل والتعليم، إضافة إلى قطاع الطب الحديث الذي ستصل قيمته الإجمالية لما يزيد عن 30 مليار دولار في المستقبل القريب. 

فالواقع يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يسهم بإحداث نقلة نوعية في تقديم خدمات الرعاية الصحية على مستوى العالم من خلال استخدام البيانات الضخمة ومعلومات الجينات الوراثية لتطوير أدوات الطب الدقيق، وهو أسلوب علاجي جديد مخصص لكل فرد حسب وضعه الصحي، فضلاً عن توظيف الروبوتات الذكية في العمليات الجراحية وإعادة التأهيل الصحي. ولا شك أن التطبيقات التكنولوجية ستتسارع خلال السنوات القادمة وستغير من طريقة كيفية مكافحة الأوبئة بشكل جذري.

ولا نخفي سراً عندما نقول إن العالم يواجه أحد أقسى الأوبئة في العصر الحديث، حيث تسبب فيروس "كوفيد-19" بإلحاق ضرر كبير برفاهية الناس وجودة حياتهم إضافية إلى تأثيراته الواضحة على الأسواق المالية والبنية التحتية، وتسببه بفرض قيود عالمية على الطيران والسفر والحد من الأحداث والتجمعات العامة. ونتذكر هنا حصول حالة مشابهة لما نشهده الآن، حيث تسبب فيروس أنفلونزا الخنازير (H1N1) بحالة من الذعر في جميع أنحاء العالم. ولكن السؤال هنا، ما الذي يجعل هذا الوباء مختلفاً؟ والجواب البديهي أنه لدينا سلاح جديد ضد هذا الوباء وهو الذكاء الاصطناعي.

وبالعودة إلى شهر واحد فقط قبل تفشي جائحة كورونا المستجد، كان معظم الحديث عن الذكاء الاصطناعي منصباً على التساؤلات حول الخوف من فقدان الكثير من الوظائف مع تطور تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي حيث انه كان من المتوقع ان يستبدل كثير من الوظائف، فيما أصبح الجميع الآن يضع آماله على هذه التكنولوجيا لحماية الوظائف والعودة إلى المكاتب ومواصلة العمل. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي من أبرز الجوانب التي يتم التطرق إليها عند الحديث عن مواجهة "كوفيد-19"، وأثبت أنه من أهم المجالات التكنولوجية لمكافحة هذا الوباء ومنع الأوبئة المستقبلية من الانتشار دون رادع. 

ولقياس دور الذكاء الاصطناعي في مواجهة هذا الوباء العالمي، يجب علينا أولاً أن ننظر إلى الأوبئة السابقة وكيف تعامل العالم معها. فقد كانت الكاميرات الحرارية الحل الأكثر شيوعاً وانتشاراً عند بدء انتشار أنفلونزا الخنازير، وتم نشر هذه الكاميرات في كافة المطارات والمراكز التجارية ومناطق التجمع للكشف عن الأشخاص المصابين ومساعدتهم. ومع ذلك، لم يكن هذا النهج فعالًا للغاية كونه تطلب وجود مهندس مدرب أمام الكاميرا لمراقبة درجات حرارة الأشخاص يدوياً وهي عملية تستغرق وقتاً طويلاً وتفتقد الفعالية المطلوبة في الأماكن المزدحمة. فيما تم تجهيز الجيل الجديد من الكاميرات الحرارية الآن بقدرات الذكاء الاصطناعي التي تمكن المشغل الواحد من مراقبة مئات الكاميرات في نفس الوقت دون أي تدريب. 

وتعتمد هذه الكاميرات على خوارزميات ذكية ترصد وجوه الأشخاص وتقرأ درجات حرارتهم من ادق النقاط وتحدد الحالات المحتملة. والأهم من ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يتعب ولا ينام مما يعني تعزيز فعالية الإجراءات المتبعة لحماية الصحة العامة على مدار الساعة.

وتمتلك حكومات العالم الآن أدوات جديدة تعمل بالذكاء الاصطناعي تسمح بتطبيقات مبتكرة لم تكن متاحة في السابق. وقد ركزت الحكومات الاستباقية الأكثر نجاحاً في مكافحة الجائحة على تطوير سياسات وتشريعات مبتكرة توظف الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة بطرق مبتكرة وفعالة لمراقبة انتشار الفيروس والتنبؤ بتغيراته بدقة عالية إضافة إلى رصد مصادر المعلومات المختلفة مثل وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الإخبارية وحتى التفاعلات بين الأشخاص.
وعلى صعيد آخر، يعمل الباحثون المجهزون بأجهزة كمبيوتر فائقة القدرة على توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي للعثور على اللقاحات والعلاجات بشكل أسرع، ونجحوا بالوصول إلى التسلسل الجيني للفيروس لفهم الطريقة التي يعمل بها بشكل أفضل. وعلى هذا الأساس، سيكون مستقبل مكافحة الأوبئة مختلفاً جداً مع التطور السريع للذكاء الاصطناعي، حيث سيتم العمل على تطوير أدوات متقدمة للعثور على الفيروسات بدقة فائقة والتحكم في انتشارها. وإذا نجح الباحثون بمساعيهم، فسيصبح بالإمكان إيجاد العلاج للفيروسات الجديدة في وقت قياسي يمنع من انتشاره اساسا.

وللوصول إلى هذه المرحلة، يجب أن نتعلم من تجاربنا السابقة التي أظهرت أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تصبح مجدية وفعالة أكثر عندما يتم توفير السياسات والتشريعات الداعمة. ونحن في دولة الإمارات لدينا الكثير من الأنظمة المتقدمة القائمة على الذكاء الاصطناعي والتي تعمل على مدار الساعة لضمان سلامة المجتمع في الدولة والعالم بأسره.

الدكتور عبد الرحمن المحمود.. مدير قسم البحوث والبنية التحتية في مكتب الذكاء الاصطناعي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات