يداً بيد نتقدم صوب الفضاء

لم يكن عام 2020 عادياً، فمنذ نصف عام لا يزال وباء الالتهاب الرئوي الناتج عن فيروس كورونا المستجد يفتك بالعالم. لكن هذا الوباء لا يمكن أن ينفرد بكتابة التاريخ في عام 2020، فالإمارات والصين قهرتا تأثير الفيروس وأطلقتا على التوالي بنجاح مسبار «الأمل» ومسبار «تيانون – 1» لاستكشاف كوكب المريخ.

ومع إشعاع هذين الضوأين الباهرين في ضباب الوباء، أطلق كل من جانبه رحلته الأولى في استكشاف المريخ، وكتبنا مقدمة عام استكشاف الكوكب الأحمر من طرف البشرية، وطبعنا عام 2020 بعلامة تكنولوجية وعلمية للزحف نحو الفضاء، ويمكن القول إننا حلقنا معاً ليضفي كل منا ألقاً على الآخر.

روح الإنجاز تدفعنا معاً لاستكشاف الفضاء، ففي عام 2018 دخل الفضاء أول قمر صناعي إماراتي من إنتاج وطني، وفي عام 2019 وصل إلى محطة الفضاء الدولية أول رائد فضاء إماراتي بل وعربي أيضاً، وفي هذا العام أخذت الإمارات لنفسها موقعاً في مقدمة الدول التي تستكشف المريخ، وأصبحت أول دولة عربية تستكشف كوكب المريخ، وهذا الأمر لا يُعد فخراً للإماراتيين فحسب بل هو فخر للعالم العربي أجمع.

لقد استطاعت الإمارات في غضون ست سنوات فقط أن تحقق هدف الزحف صوب المريخ، وهذا الأمر بمثابة نصر لروح الإقدام على الإبداع واستكشاف الجديد، وهي روح يتحلى بها الشعب الصيني كذلك. ففي السنوات الأخيرة أحرزت الصين كذلك تقدماً جديداً في مجال الفضاء، فانطلاقاً من الإطلاق الناجح للمختبر الفضائي «تيانقونغ» وتحقيق أول هبوط تحققه البشرية على الجانب المعتم من القمر، وصولاً إلى الزحف هذا العام صوب المريخ، فإن ما يتحلى به رواد مجال الفضاء في الصين من روح نضال وعطاء وجرأة على تسلق قمم العلوم والتكنولوجيا، هذه الروح تدفع صوب تحقيق قفزة في مجال الفضاء في الصين، وتجعلها تسهم بجهدها الذاتي فيما تقوم به البشرية من استكشاف للفضاء.

نتشارك معاً روح قيادة التنمية بالعلوم والتكنولوجيا. نُجمع على أن للعلوم والتكنولوجيا دور كبير في تعزيز القوة الإنتاجية. وتكرس الإمارات جهودها لتحقيق رقي أكثر في تحول التنمية الاقتصادية اعتمادا على العلوم والتكنولوجيا، وفي هذا الإطار يأتي التعديل الوزاري الذي حدث مؤخراً على مستوى مجلس الوزراء والذي تأسست على إثره وزارة للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، وهو قرار ريادي يبرهن مرة أخرى على عزم الإمارات تنشيط الاقتصاد من خلال العلوم التكنولوجيا.

أما الصين فتسير على طريق تحريك التنمية بالإبداع وتنظر إلى العلوم والتكنولوجيا كالقوة الإنتاجية الأولى. كما أن تكريس الجانبان جهودهما في تطوير تقنيات الفضاء وغيرها من التقنيات الجديدة الفائقة، هو خيار نابع من رؤية استراتيجية، وهذا الخيار من شأنه أن يقود إلى الإبداع التكنولوجي في عدة مجالات وتطبيق هذا الإبداع وتوفير محرك مستديم للتنمية الاقتصادية. ومع الانطلاقة الناجحة لمشاريع استكشاف المريخ في كل من الإمارات والصين، فإن هذه الانطلاقة الناجحة ستحفز عدداً أكبر من الشباب على الانخراط في مجال العلوم والتكنولوجيا، وستدفع بخلق بيئة رائدة في مجال البحث العلمي تكوّن احتياطياً من الكفاءات التقنية والعلمية التي تخدم الاقتصاد الإبداعي والاقتصاد المعرفي.

نتقاسم قيم الانفتاح ورحابة الصدر، ولا حدود أمام العلوم والتكنولوجيا، وفي ظل ما نعيش من عولمة اليوم فإن فتح تعاون في مجال العلوم والتكنولوجيا يسهم بشكل أكثر في تحقيق الرفاه للبشرية. إننا نحتفل ونفرح بشكل متبادل بما يحقق أي طرف منا من نتائج في مجال الفضاء، وهي إسهامات يقدمها كل من جانبه في تقدم البشرية. كما أنه يتعين علينا التحلي بصدر منفتح والتعاون في مجال البحث العلمي لتحقيق التنمية المشتركة.

تستفيد منجزات تنمية الصين والمعجزة الاقتصادية في دبي من نفس فلسفة التنمية المتمثلة في الانفتاح والتسامح والتعاون المتكافئ. لقد حقق الجانبان اليوم تعاوناً معمقاً في مجالات الذكاء الاصطناعي وتقنيات الجيل الخامس (5G) والطاقة النظيفة والسلامة الغذائية، فخلال فترة الوباء تعاون الجانبان على تشييد أول مختبر للكشف عن فيروس كورونا المستجد في أبوظبي، كما أطلق الجانبان تعاوناً وثيقاً في مجال تطوير لقاح للفيروس.

أما تنفيذ مشاريع استكشاف المريخ في الصين والإمارات فستوفر فضاء رحباً للتعاون بين الصين والإمارات في مجال استكشاف الفضاء. وكما قال السفير الإماراتي لدى الصين سعادة السفير علي عبيد الظاهري، فمع ولوج الإمارات والصين مرحلة جديدة من التنمية، فإن ما توفره مرحلة ما بعد الوباء من فرص جديدة وتعاون جديد سيسرع من وتيرة الإبداع العلمي والتكنولوجي بين البلدين، ويدفع الدولتين إلى تحقيق تعاون في مجالات أكثر في المستقبل. إننا جميعاً نتطلع إلى تلك اللحظة التي سيلتقي فيها مسبار «الأمل» ومسبار «تيانون – 1» ويتألقان معاً بعد أكثر من 200 يوم على بعد 50 مليون كلم على مسار كوكب المريخ.

القنصل العام الصيني بدبي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات