لماذا سيؤدي التعاون العسكري والتجاري إلى تحقيق ابتكارات تكنولوجية رائدة؟

يميل معظمنا إلى ربط الابتكار بالخوارزميات الرياضية، ومجموعات البيانات المجردة، أو بإبداعات الخيال العلمي، وكذلك التكنولوجيا التي أصبحت منتشرة الآن في كل مكان، وخارج نطاق المكان في الوقت ذاته. لكن مفهوم الابتكار بحدّ ذاته، ليس جديداً أو «مبتكراً» في وقتنا الراهن.

ومع ذلك، فإن تعريف الابتكار الحقيقي بسيط للغاية؛ وهو إيجاد منتج أو عملية جديدة، وتطبيقها بصورة فاعلة تجعل الحياة أسهل، وأفضل، وأكثر كفاءة. وليس هناك من ميدان أكثر أهمية للابتكار من قطاع الدفاع والأمن، فهو الميدان التي شهد ظهور ابتكارات ثورية على مدى التاريخ، بفضل دعم القطاع العسكري للأبحاث، وتحفيزه الدائم على التطوير.

وعلى سبيل المثال، يمكن اعتبار الأسلحة الآلية التي أنتجها مصنع «روبنز آند لورانس» نموذجاً للمقاربة التكنولوجية الواضحة والسلسة. ففي خضم الحرب الأهلية الأمريكية، ظهرت الحاجة إلى تحسين الأداء غير المستقر لبنادق التلقيم الخلفي التقليدية، والموروثة عن البريطانيين، مع ضرورة زيادة سرعتها وخفّتها لتحويلها إلى بنادق تطلق النار بشكل متواصل.

وضمان سهولة الاستخدام والسرعة في التلقيم، وفعالية الأداء أثناء الحرب، وهو الأمر الذي أدى لدخول الخصوم المتنازعين من مستخدمي البنادق، في سباق محموم لإنجاز عمليات تصنيع دقيقة، أسهمت بتحقيق التقدم لولايات الشمال الأمريكي في الحرب من ناحية، كما أدت أيضاً إلى تحفيز السعي نحو عالم مستقبلي تدفعه التطورات التكنولوجية من ناحية أخرى.

ونتيجة لمعطيات الطلب العسكري المتزايد، أضافت الشركات التجارية تصنيع الأسلحة الآلية إلى خطوط إنتاجها، واستفادت من تضمين الابتكارات الرائدة في صناعاتها الأساسية، كما استفادت أيضاً من قدرتها على بيع نماذج ابتكاراتها لقطاعات أخرى.

وعلى مدى العقود الماضية، كانت ابتكارات القطاع العسكري محركاً للإبداع والتكنولوجيا في الاستخدامات المدنية، ومنها مثلاً شبكة الإنترنت، ونظام تحديد المواقع العالمي ومحرك الاحتراق الداخلي، إلا أن الوضع القائم اليوم ليس واضحاً تماماً.

وفي وقتنا الحاضر، تستحوذ الأسواق التجارية على أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والواقع المدمج والواقع الافتراضي، وتحليلات البيانات الضخمة المعززة بنماذج أعمال الشركات الناشئة والقائمة على مشاريع وادي السيليكون، في الوقت الذي يحظى فيه القطاع العسكري بأحدث مزايا الحروب السيبرانية والعمليات النفسية الرقمية. ونتيجة لذلك، لا يزال الوضع القائم متقلباً بصورة متزايدة.

ولنأخذ على سبيل المثال، بحثاً موثقاً بصورة جيدة عن سيارة طائرة بميزة الإقلاع والهبوط العمودي (eVOTL) للاستخدامات العسكرية؛ حيث ستتيح هذه المركبة، بصورة عملية، إمكانية النقل السريع للقوات والمعدات ضمن مساحات ضيقة داخل وخارج مناطق الحرب المحمية.

ولا يخفى أن تكنولوجيا السيارة الطائرة المرتقبة، متاحة بالفعل في أعمال القطاع التجاري. وبدلاً عن إطلاق البرامج التي تنافس مشروعات التكنولوجيا التجارية، بدءاً من الصفر، ينبغي على قطاع الدفاع أن يتبنى المشاريع القائمة، ويعتمد على الاستفادة من أوجه التآزر والتعاون مع مطوّري التكنولوجيا التجارية؛ حيث يمكن تنفيذ إجراءات معينة، مثل المشاركة بوضع مستويات مجالات الاختبار والتراخيص، لضمان إحداث أثر كبير على القطاع التجاري الذي تطمح المؤسسات الدفاعية لاختراقه.

وفي إطار هذا التعاون الجديد بين القطاعين التجاري والعسكري، سينشأ الجيل الجديد من الابتكارات الرائدة. وذلك هو تماماً مفهوم الأعمال لدينا في (ايدج)، تجمّع التكنولوجيا المتقدمة الرائدة لقطاع الدفاع في دولة الإمارات العربية المتحدة، وغيره من المجالات، والذي يقدم التكنولوجيا والخدمات المبتكرة للسوق بسرعة وكفاءة أكبر.

واعتماداً على الدمج بين تجارب القوى الاقتصادية المؤثرة، وبين المواهب غير المستثمرة، تسهم عروض القيمة المتميزة التي تقدمها (ايدج) في السوق، باستكشاف مناهج جديدة والريادة فيها، لضمان حماية عالمنا من التهديدات الخارجية والداخلية، من خلال توسعها في الجمع بين اللاعبين الرئيسيين في قطاع الدفاع، وبما يشمل أيضاً المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة في مجالات الخبرات التخصصية. وعبر تعاوننا المشترك، نُنشئ معاً نموذجاً جديداً للقدرات العسكرية، خلال مرحلة أصبح فيها هذا التحول النموذجي أمراً ضرورياً للغاية.

ومع تشكيل منظومة عمل تشمل الخبراء والعسكريين السابقين، ومجموعة من كبار الموردين في قطاع الدفاع، يمكننا إتاحة الفرص أمام المبتكرين الروّاد لتطوير النماذج التشغيلية، وإثبات قدراتهم في التقديم الناجح لها. ومع قيامنا بذلك، نسهم في تحفيز الارتقاء بعملية الابتكار، وتحويل قدرات البحث والتطوير الخاصة إلى منتجات قابلة للتطوير، مع إمكانية تحقيق عائد حقيقي على الاستثمار.

وبالطبع، ليس هناك حلّ سحري يمكن اعتماده للابتكار في القطاع العسكري، وخصوصاً في وقتنا الراهن. وما من برنامج أو منتج واحد قادر على الوفاء بجميع الطلبات التي نحرص على تلبيتها وتنفيذها. إلا أن هناك حاجة ملحّة وواضحة لتسريع الابتكار التكنولوجي، وتأكيد الريادة الميدانية، وضمان تعزيز السيطرة في البيئة التنافسية العالمية.

وبالنظر إلى الابتكارات العسكرية الرائدة، والنجاحات الكبرى التي تحققت في السابق، وحتى الآن، فقد حان الوقت لإعادة التفكير في كيفية تسخير تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة ضمن مجموعة من القطاعات، ابتداءً من التصنيع المضاف لقطع غيار الطائرات الأخف وزناً والأكثر فعالية من حيث التكلفة، أو التفكير بتطوير قدرتنا على الدمج بين البيانات التي تتم معالجتها اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، وبين الإبداع الإنساني المتميز، للحصول على أسلحة وتجهيزات أحدث وأكثر ذكاءً.

وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي التفكير أيضاً في كيفية نشر طائرات بدون طيار تقوم بدوريات استطلاع ومراقبة آمنة، للتحقق من المخاطر المحتملة والاستعداد له. وباختصار، فإن قائمة الاستخدامات التكنولوجية واسعة للغاية، وقد آن الأوان لسد الثغرات القائمة لتوحيد عمليات التطوير والاستحواذ العسكرية، سعياً لتجديد أساليبنا الحالية في التعامل مع الابتكار.

وانسجاماً مع التغيرات الكبرى التي يشهدها العالم من حولنا، ينبغي علينا أن نتغير نحن أيضاً. ففي عالمنا المتميز بترابطه الفائق، حيث تنتقل المعلومات والأفكار بصورة أسرع بكثير من أي وقت مضى، أصبح الوصول إلى التكنولوجيا أكثر سهولة، إذ يمكن للتقنيات البدائية أن تهدد أصولاً تقدر بملايين الدولارات.

كما يمكن للنماذج الأولية القائمة على فيديوهات يوتيوب تغيير التوازنات القائمة في ساحات المعارك، عبر استغلال نقاط الضعف في الأنظمة الحالية، بالاعتماد على الخصائص والمزايا غير المتكافئة بين المتنافسين. وعلى هذا النحو، تتغير طبيعة التهديدات الدفاعية والأمنية، وتتبدل مراكز القوى، وينبغي علينا التحول للانسجام مع هذه التغيرات، وتعزيز الابتكار لضمان الحفاظ على السلام والأمن في عالمنا.

 

رئيس قطاع المنصات والأنظمة، شركة ايدج

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات