لنُعلِّم «ماوكلي» أن يحب جورج فلويد

هل نولد على الحب، أم نولد على الكراهية؟ لا أجد إجابة أكثر عبرةً على هذا التساؤل من قصة «ماوكلي» الذي ولد في الغابة، وتعلم قانونها ولغة أهلها ولم يتعلم من بني البشر لا حبهم ولا كرههم إلا ما كان يعلمه إياه صديقه النمر الأسود «باغيرا»، ولكن بعد أن بدأ يكبر تولدت لديه حالة الكره لعدوه اللدود النمر «شيريخان» وأتباعه عصابة الضباع والقرود.

وهنا نتساءل؛ هل كان ماوكلي يحب أو يكره جورج فلويد الرجل الأمريكي ذا الأصول الأفريقية الذي مات تحت أقدام شرطي أبيض بعد أن لفظ أنفاسه الأخيرة مردداً «لا أستطيع التنفس»، إجابة التساؤل هذا تكمن بالدروس التي تعلمها ماوكلي من باغيرا أو من الدروس الحياتية في حياة الغابة، وبما أنه لا ينطبق علينا قانون الغابة، فعلينا أن نُعلم ماوكلي أن يحب جورج أو نعلمه بأن لا يكرهه على الأقل.

من المفارقة الغريبة أن أغنية البداية لماوكلي يغنى فيها «في الغابة قانون يسري في كل مكان، قانون أهمله البشر ونسوه الآن، إخلاص حب دافئ عيش فطري هانئ، لا ظلم ولا خوف ولا غدر ولا أحزان»، فهل فعلاً هذا هو قانون الغابة، أم هو قانون البشر الغائب، الحب والكراهية؛ ومثلهما التسامح أو العنصرية، وغيرهم من المفاهيم الإنسانية التي لها طابعها المكتسب، أي أننا لا نولد عليها بشكل مطلق عكس مفاهيم الغابة التي تولد على الفطرة وتبقى كما هي عليه.

قانون البشر في كثيرٍ من الأحيان لا يختلف عن قانون الغابة، الاختلاف الوحيد أن الإنسان استطاع تهذيب عنصريته وغلفها بمسميات كثيرة، أصول وجنسيات وأعراق ومذاهب وأديان وعائلات وعشائر وألوان ووو إلخ، والحال واحد، فشريخان يرى في ماوكلي فريسة يريد أن يفترسها.

وكذلك كل شخص أو فئة عنصرية ترى في الآخر فريسة يريد أن يفترسها ويقضي عليها؛ ويبقى الفارق الوحيد بين قانون البشر وقانون الغابة أن الإنسان يستطيع التفكير للخروج من هذه الأزمة لكن في الغابة ستبقى الأمور معلقة ليوم الدين.

ما يحدث اليوم في أمريكا وخروج الآلاف للتظاهر احتجاجاً ورفضاً على مقتل جورج فلويد رافضين كل أشكال العنصرية هو نتيجة طبيعية لما تعلمه ماوكلي أثناء السنوات الماضية، وما حدث لجورج ولغيره ممن ينحدرون من أصول أفريقية هو شكل من أشكال التعلم المجتمعي.

فعندما تصبح ممارسات العنصرية شكلاً دارجاً في المجتمع تتحول لتصبح ممارسة عادية وليس لها الطابع الإجرامي الذي يستوجب العقوبة، أما عندما يشرح المجتمع بأن نظرة الإزدراء تجاه الآخر هي نوع من أنواع الجريمة فإن المجتمع يصبح أكثر إدراكاً لما هو أكبر من ذلك كممارسة التفرقة والتلفظ بالعبارات العنصرية، أو حتى التعامل غير اللائق مع الآخرين.

الإنسان هو هو في كل مكان، يتفاخر بماضيه، ويريد استرجاع أمجاده، يحن لدينه، ويجد نفسه مدافعاً باسم الله، حارساً من حراس الجنة والنار، وتصل به الأحوال أن يعتبر نفسه أحد أفراد شعب الله المختار، يرى أن لون بشرته ميزة على الآخرين، ولكن ما يحكمهم جميعاً هو القانون، فإذا جُرمت العنصرية فستبدأ بالتلاشي شيئاً فشيئاً حتى وإن وجدنا من يغذي أفكارها، فالأجيال تأخذ ممن سبقها الخلاصة، فإن كان القضاء على العنصرية هو خلاصة جيل فلن تجده في الأجيال القادمة، أما إن كانت العنصرية خلاصة المجتمع فستصبح الأرواح رخيصة تداس تحت الأقدام.

تبقى حياة البشرية وسلامتها مرهونةً بدروس باغيرا لماوكلي، فكلما جهزنا باغيرا بمفاهيم التسامح سيخرج لنا ماوكلي المحب للجميع أو على الأقل المتعايش مع الجميع، لكن إن غذينا دروسه بمفاهيم العنصرية فسيجد ماوكلي نفسه وسط مجتمع يشجعه على العنصرية أو يساعده أو يزدريه لنفس السبب «العنصرية»، وأنا هنا أحيي دولتنا دولة الإمارات التي أوجدت قانون يجرّم العنصرية بكافة أشكالها وأنواعها، وحددت عقوباتها الغليظة لكل من تسول له نفسه بأن يتخذ من العنصرية منهج حياة، لذلك تجد مجتمعنا تعلم درس بني البشر، وتجد في مجتمعنا تجسيداً حرفياً لـ «لا ظلم ولا خوف ولا غدر ولا أحزان» الدرس المفقود في جميع المجتمعات العنصرية.

*كاتب وإعلامي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات