العالم يستعيد عافيته

بدأت تتغير طبيعة ونوعية الأخبار التي يتم تداولها حول أزمة فيروس «كورونا» منذ ظهوره، فلم تعد كل الأخبار المتسارعة، تقتصر على تلك التي كانت تخبرنا عن عدد الإصابات وحالات الوفاة التي سجلتها حكومات العالم المختلفة، والتي كانت تصيب الناس بالحيرة والبلبلة، نتيجة لغموض الوباء الذي لا يزال يستعصي فهمه، وأصبحنا اليوم نسمع عن أخبار تبشّر الإنسانية ببدء تخفيف الإجراءات الاحترازية على الناس، تمهيداً لعودة الحياة بشكلها الطبيعي.

منذ الأسبوع الماضي وأخبار رفع القيود المشددة تنتشر في أنحاء كثيرة من العالم، بعد ما ظهر أن لها تبعات اقتصادية واجتماعية كبيرة، ولعل الدول الأوروبية كانت هي الأكثر حماساً من منطلق قناعات مختلفة لمواجهة الأزمة مع التأكيد على أهمية تحقيق التوازن بين التشدد في تطبيق الإجراءات الخاصة بمنع التجمعات غير الضرورية، وبين عدم تجاهل الاحتياجات الضرورية لاستمرار الحياة الطبيعية.

لذا يمكننا القول إنه لا يزال الوقت مبكراً للحديث عن انفراج الأزمة بالكامل، كون أن هناك حالات إصابة تسجل يومياً، بل في بعض الحالات أكبر من تلك التي سجلت وقت الفورة، إلا أن الأمر لا يخلو من أصداء ومؤشرات لاحت في أكثر من جانب كلها تبشر بالخير مثل: فتح مطارات بشكل جزئي، زيادة ساعات فتح المحلات التجارية، وعودة بعضها للعمل من جديد.

ومن تلك المؤشرات الإيجابية أنه في بعض الدول التي كانت تسجل حالات الإصابة الأكبر مثل الصين وإيطاليا وألمانيا بدأت تنخفض الإصابات وحتى حالات الوفاة فيها، ما يعني أن هناك حالة من التفاؤل عالمية في الدول التي تأثرت كثيراً وخلقت رعباً كبيراً بين الناس.

بلا شك أنه ارتفعت نسبة وعي الناس حول الإجراءات الواجب اتباعها واختلفت ثقافات الناس في كل دول العالم في جانب الاهتمام بالجانب الصحي، فصار هناك إقبال على لبس الكمامة التي كانت غير مقبولة على بعض الشيء، وانتشرت ثقافة ترك مسافة مناسبة أو ما يعرف التباعد الاجتماعي، وغيرها من الإجراءات على ما كانت عليه قبل بدء الأزمة، وهذا راجع لحملات التوعية التي قامت بها الحكومات من أجل توعية الناس، وإلى تطبيق عقوبات على من يحاول تعريض حياته والآخرين للخطر نتيجة لتساهله في تطبيق الإجراءات.

هذا يعني لنا أن الأمور بدأت تسير نحو السيطرة بالتعاون بين الحكومات التي تعاملت مع الأزمة بأساليب مغايرة بسبب عدم وجود تجربة حقيقية للسيطرة على انتشار الوباء وتجربة الصين غير كافية، كما يعتقد، فهناك من راهن على تحميل أفراد المجتمع مسؤولية توعية أنفسهم بأنفسهم، كانت الدول الاسكندنافية خاصة السويد مثالاً، وهناك من لم يعرها اهتماماً في البداية كإيطاليا وإيران، ومن آمن بنظرية «مناعة القطيع» مثل بريطانيا، وهناك من اعتبرها مسؤولية إنسانية تبدأ من الداخل إلى العالم وأبدى تعاوناً عالمياً، وعمل على أن يساهم في خلق مسؤولية أخلاقية عالمية تجاه الأزمات والكوارث بشكل عام، وهذا مثلته دولة الإمارات.

الحفاظ على الحياة البشرية هي الأصل فيما حصل من إجراءات لمواجهة أزمة «كورونا»، وهو أمر مقدم على أي شيء آخر، فهذا هو الموقف الحقيقي الذي كان يقاس عليه نجاح أية دولة عن أخرى في إدارة الأزمة، لكن هناك أيضاً ضرورات تحتاج منا إلى التوازن في قرار الحظر الكامل وهي تصب أيضاً في ناحية استمرارية الإنسان والحفاظ على حياته.

ما يتم، في أغلب دول العالم، رفع تدريجي للحظر، مع استمرار زيادة درجة الوعي الصحي، بذل محاولات اكتشاف ما يقضي على هذا الوباء التي جعل من عالمنا «عالماً غير طبيعي»، فهذه هي المرة الأولى التي تتوقف الحياة في كل أنحاء العالم، لكن ينبغي عدم تجاهل التبعات الأخرى الناتجة من توقف الحياة.

لا يمكن الحديث عن أي جانب فيما يخص أزمة «كورونا» بعيداً عن مصلحة الإنسان الذي هو العنصر الأهم في معادلة مواجهة الأزمة، وأي كلام عن عودة عافية العالم يندرج تحت بند المصلحة البشرية فهناك بعض الجوانب لا تقل أهمية عن القضاء على الوباء.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات