الأسرة وتحديات كورونا

مما لا شك فيه أن حصول دولة الإمارات العربية المتحدة على المركز الأول عربياً ضمن أفضل الدول لرعاية الأسرة لعام 2019 يأتي ترجمة لتوجيهات القيادة الرشيدة، التي تحرص على الاهتمام بالأسرة كونها المحور الرئيسي لعملية التنمية الاجتماعية.. وكحاضن أول للنشء المعول عليهم بناء الوطن والمشاركة في منظومة تطوره وحراكه الاجتماعي.

وهذا ما أكدته القيادة الرشيدة، ويعكسه ما حصلت عليه الإمارات عربياً من مركز مشرف لرعاية الأسرة. وهو دلالة مؤكدة على ثمرة الجهود التي توليها القيادة الإماراتية لرعاية الأسرة وحمايتها إدراكاً منها لكونها اللبنة الأساسية والمحور الرئيسي للتنمية الفعالة المستدامة.

ولا ننسى الدور المهم لأم الإمارات سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، في رعاية الأسرة وتمكينها في المجتمع الإماراتي باستمرار توجيهاتها السامية بضرورة تطوير الخدمات التي تقدم للأسرة بكافة أفرادها وبما يحقق لهم المنفعة، ويسهم في الوصول إلى جيل مستنير وعلى وعي تام بمسؤولياته تجاه وطنه ومجتمعه من خلال أسرة تؤمن بأهمية الأدوار التي يلعبها كافة أفرادها وتسعى إلى تذليل الصعوبات التي قد تواجه الأبناء وتؤثر في مستقبلهم.

لقد جاء الإعلان عن يوم عربي للأسرة، ليجسد الدور المهم الذي تسهم به الأسرة في حياة المجتمع، أي مجتمع، باعتبارها النواة التي يتخلق منها، وإدراكاً لأهمية الوظائف المجتمعية التي تؤديها الأسرة.. ولعل من أهمها عملية التنشئة الاجتماعية التي يكتسب فيها الفرد مجموعة من القيم والعادات والتقاليد السائدة في مجتمعه، حتى تتجدد معها وبها شخصيته في سياق الثقافة الكلية السائدة في المجتمع.

لقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1994 سنة دولية للأسرة، وفي ذلك اعتراف من المجتمع الدولي بأهمية الأسرة ومكانتها في الحفاظ على تماسك المجتمعات الإنسانية لضمان استقرارها وبقائها خصوصاً أن إدارة المرأة والأسرة والطفل تحددت في جامعة الدول العربية كموضوع محوري في جدول أعمالها، وتحتفل بهذه المناسبة سنوياً حتى يزيد اهتمام الرأي العام العربي والمسؤولين ومخططي السياسات الاجتماعية بأي من القضايا المحورية ذات العلاقة بماضي أو حاضر أو مستقبل الأسرة العربية، ومن أهمها حقوق الأسرة العربية ممثلة في المرأة والطفل.

إدراكاً لأهمية الوظائف البيولوجية والاقتصادية والاجتماعية التي تعزز مكانة الأسرة في المجتمع. فإن الأسرة بجميع المقاييس تعتبر «خط الدفاع الأول» لحماية المجتمع من كافة العوامل التي تهدد أمنه واستقراره فإذا انهار البناء الأسري فإن البناء الاجتماعي سيصاب بالتفكك.

إن رياح العولمة وتداعياتها، بالإضافة إلى فوضى «الخريف العربي» جرت معها سلسلة من التغيرات الاجتماعية خصوصاً في عصر الفضاء المفتوح وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي وتدفق القنوات الفضائية.

وتأثير الإعلام السلبي بمختلف وسائطه؛ المقروء والمسموع والمرئي، ومعها وسائل التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، بما جلبته من السلبيات، كلها مؤثرات أخذت تلقي بثقلها على الأسرة، فأصبحت الأسرة العربية في مواجهة حقيقية مع سيل من التحديات التي لحقت بمنظومة القيم والعادات والتقاليد العربية والإسلامية مما زاد من المشكلات الأسرية؛ كالتفكك والتشرذم الأسري خصوصاً بعد أن تقلص دور الأسرة الكبيرة «الممتد» والتي يعيش في كنفها الأجداد والأبناء والأحفاد تحت سقف واحد، وأخذت «الأسرة النواة» الصغيرة، تحل محلها، مما فتح الباب على مصراعيه لغرباء صاروا يقيمون ويعملون داخل الأسرة بل وأصبحوا يديرون شؤونها.

أصبحت الأسر العربية كافة لا تعرف بعضها البعض، ولا يلتقي أفرادها إلا على عجل في بعض المناسبات.. ثم يمضي كل في سبيله ومن ثم أصبحنا لا نعرف المناسبات الخاصة ولا نجيد فن الاحتفالات المنزلية كجماعة وأسرة!

لقد آن الأوان لجميع الأسر، والتي فرض عليها أمر التباعد الاجتماعي عن الشارع والمجتمع، نتيجة الاحتراز الوقائي من وباء «كورونا» أن تنتهز فرصة التواصل الاجتماعي الأسري، من خلال الحظر والتواجد القسري لحماية أفراد أسرتها وسلامتهم من وباء «كورونا» لتصحيح حالة التشرذم والتباعد التي عانتها على مدى أكثر من عقد من الزمن «المعولم بالشبكة العنكبوتية» والتي باعدت بعض الأسر، حتى صار أفرادها يعيشون في جزر معزولة يندر فيها الحوار ويقل فيها الكلام إلا عند الضرورة.. إنها دعوة للتقارب والتلاحم والتواصل بين أفراد الأسرة الواحدة.. في ظل واقع الحال المتعايش للأسر في العالم أجمع دون استثناء، إنه واقع تحديات كورونا.. عافانا الله وإياكم.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات