ماضي أيرلندا والانقسام الداخلي

كان الاحتفال الرسمي الناجح في دبلن بـ «ثورة عيد الفصح» ضد الحكم البريطاني عام 1916، قد هدأ المشاعر بأن المجتمع الأيرلندي سيكافح من أجل احتواء الاحتفالات بالذكرى المئوية لأحداث وقعت ما بين 1912 و1923، بما في ذلك «حركة الاقتراع»، و«حظر دبلن» عام 1913، وثورة «عيد الفصح» عام 1916، وحرب الاستقلال الأيرلندية (1919-1921)، والحرب الأهلية الأيرلندية (1923-1922) وتأسيس الدولة الأيرلندية الحرة (1922).

التعقيدات المحيطة بما حصل عام 1916 تم الكشف عنها أخيراً عندما دافعت الحكومة الإيرلندية، ومن ثم أرجأت إحياء الذكرى المئوية لقوات الشرطة ما قبل الاستقلال، الشرطة الملكية الأيرلندية «أر إي سي»، وشرطة مدينة دبلن «دي إم بي».

وكانت الشرطة الملكية الأيرلندية معززة بمجندين بريطانيين، من جماعة «بلاك أند تانز» المعروفة بوحشيتها، أما فرقة «المساعدين» فكانت وحدة شبه عسكرية مؤقتة من ضباط سابقين في الجيش البريطاني.

القول إن تلك الكيانات يجري انتقادها بشدة في أيرلندا هو أقل ما يقال.

كل تلك الأمور تحدث في ظل بيئة متغيرة من المشاعر القومية والوطنية الأيرلندية مرتبطة بعقد من إحياء مناسبات الذكرى المئوية لتلك الصراعات، وثورة اجتماعية موازية في مجال حقوق المرأة وغيره، وتحول الحدود بين جمهورية أيرلندا وأيرلندا الشمالية إلى نقطة مركزية في السياسة الأوروبية، وهي حدود إن بدت غير مرئية لكنها حقيقية، وكيف يشجع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي احتمال بروز أيرلندا موحدة.

وفيما تحدث سياسيون مختلفون ضد إحياء ذكرى الشرطة الملكية الأيرلندية وشرطة مدينة دبلن، وأشار البعض إلى أنهم سوف يقاطعون المناسبة، سارعت الحكومة للتوضيح. وكان دفاعها هو «أن هذه الذكرى ليست احتفالاً» حسبما غرد، رئيس وزراء أيرلندا، ليو فاردكار، وذلك قبل إلغائها، مضيفاً: «يتعلق الأمر بتذكر تاريخنا، وليس التغاضي عما حدث.

وكان واضحاً أن محاولة إحياء ذكرى كيانات تضم مجموعات تبقى مكروهة في أيرلندا، مثل «بلاك أند تانز«، كان دوماً سيتطلب درجة من إظهار الفروقات الدقيقة والابتكار من قبل فاردكار، فيما المناسبة المقترحة في قلعة دبلن لم تكن قادرة على توفيرها أبداً.

وقد قدم هذا التصريح لحزب «شين فين» هدفاً سهلاً. قالت زعيمة، شين فين، ماري لو ماكدونالد: «يتعين على الدولة إحياء ذكرى أولئك الذين قاوموا الحكم البريطاني في أيرلندا خلال «حرب التان» والمواطنون الذين عانوا على أيدي أولئك الذين حافظوا على الحكم البريطاني، وليس الشرطة الملكية الأيرلندية أو«بلاك اند تانز».

وإلى وقت الإعلان عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كانت التطلعات من أجل أيرلندا موحدة ينظر إليها على أنها غير واقعية في الجمهورية، بل حتى رومانسية. وعلى الرغم من تموضع الحزبين الرئيسيين في الجمهورية «فاين غايل» و«فيانا فايل» كداعمين لهذا الاحتمال، إلا أنه سيتعين عليهما من الآن الموازنة بين سخريتهما من «شين فين» وحماسهما لسياسة هذا الحزب الرئيسية، ذلك أنه سابقاً كان الجانب غير المعلن المتعلق بالسخرية من «شين فين» يكمن في أن قيام إيرلندا موحدة هو خيال مطلق.

الآن وقد خرج احتمال الوحدة الأيرلندية من فضاء الأحلام، واقتحم الواقع في الضرر الذي سيسببه «بريكست» بإيرلندا الشمالية على نحو لا يمكن إصلاحه، بحيث أن الوحدويين قد يصوتون من أجل أن يصبحوا جزءاً من كيان ايرلندي جديد افتراضي، يتهيأ «شين فين» للكشف عن أي تصدعات في أوراق اعتماد الجمهوريين المنافسين له.

أوراق الاعتماد تلك تم تعزيزها من قبل فادركار ونائبه سيمون كوفيني، اللذين وضعا المصلحة الوطنية أولاً خلال «بريكست»، لكن ربما سيكونان في موقف ضعيف قليلاً عندما يدخلان في مناسبة تخليد ذكرى«بلاك أند تانز» بشكل عرضي. وفيما قد لا يتمكن (شين فين) على الفور من ترجمة الصعود المستمر في القومية الإيرلندية، لا سيما بين الشباب.

هناك تركة كبيرة من أهوال الاستعمار في أيرلندا. ويحمل الكثير من الأيرلنديين لمسة معادية للسلطوية إلى جانب ميل نحو الطاعة في وقت واحد.

لكن هناك لحظات حيث يبدو واضحاً أن أشكالاً معينة من المصالحة، يجب الاتفاق عليها بشكل جماعي، وليس عن طريق تعليمات أو توجيهات من فوق.

التفاوض حول الماضي المعقد شيء، والقيام بذلك وسط حاضر معقد شيء آخر كلياً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات