عروبة سد النهضة

نهر النيل. قضية أمن قومي. الأمن القومي المصري لا ينفصل عن الأمن القومي العربي، محاولة العبث بحقوق مصر المائية خط أحمر، لا يقبل القسمة على وجهات النظر. السلطات المصرية بذلت كافة مساعيها، وأبدت حسن النوايا في جميع مراحل التفاوض التي شهدتها أزمة «سد النهضة».

ثمة شيء حدث، أثار علامات استفهام عديدة. غابت أثيوبيا عن حضور اجتماع بواشنطن نهاية فبراير الماضي، كان هدفه عقد اتفاق نهائي مع مصر والسودان، بشأن قواعد ملء وتشغيل السد الذي تبنيه أثيوبيا منذ عام 2011، عدم حضور أديس أبابا اجتماع واشنطن دفع القاهرة إلى إعادة تقييم.

مياه أخرى تجري تحت النهر، تعطيل مسارات التفاوض لا يحتاج إلى دليل، وسائل الإعلام الأثيوبية تواصل نشر صور حديثة لعمليات البناء في السد. أديس أبابا، تتجاهل التحذيرات، وبذلك تجور على الحقوق المائية للشعوب، الوضوح المصري في مراحل التفاوض قابله غموض من الجانب الأثيوبي، أديس أبابا توافق على تعيين المكاتب الاستشارية الفنية، وترفض أول توصياتها. الإصرار على الاستمرار في التأزيم وتعطيل مسارات التفاوض، بالقطع ستكون نتائجه غير محمودة العواقب.

الدولة المصرية لن تُفرط في الحقوق المائية لشعبها، بذلت مجهودات كبيرة عبر جميع المراحل للتوصل إلى حلول عادلة، فإذا كانت أثيوبيا تعتبر «السد» قضية تنمية، فإن مصر تعتبر حقها المائي قضية وجود، وحتى لا تتوه الحقائق فإنه بموجب الوثائق والمستندات فإن اتفاقية عام 1929 أعطت مصر 55.5 مليار متر مكعب من المياه، وحق «الفيتو» في الاعتراض على أي عمل يتم أنشاؤه على النهر، أو أي من روافده، كما نصت على تقديم دول حوض النيل لجميع التسهيلات لمصر من أجل إقامة دراسات، وبحوث مائية في منطقة حوض النيل والسودان لزيادة حصتها من مياه النهر، وهو ما أكدته أيضاً اتفاقية عام 1959 التي تم توقيعها في القاهرة.

هنا ثمة سؤال يطرح نفسه في الأفق: لماذا يتم تجاهل هذه المواثيق والقوانين والاتفاقيات الدولية من قبل الجانب الأثيوبي؟! وما هي مسارات الخروج من أزمة سد النهضة؟!

لغة المفاوض الأثيوبي تقول إن هناك دوائر أخرى لها مصلحة في صناعة مطبات أمام طريق التفاوض، ولها مكاسب من وراء التصعيد، لكن الحكمة تقتضي من أديس أبابا إعادة النظر في موقفها، سيما أن القضية تتعلق بالحق في الحياة، فضلاً عن أن هناك قوانين ومواثيق واتفاقيات مبادئ يجب العودة والاحتكام إليها.

أما فيما يتعلق بالمسارات المستقبلية للخروج من هذه الأزمة لابد من العمل بالتوازي على المحاور التالية:

استثمار نتائج الجولة المكوكية التي قام بها وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى قادة وزعماء الدول العربية حاملاً رسالة الرئيس السيسي إليهم، والعمل على حشد دعم عربي واسع للضغط على أديس أبابا، للتوقيع على مسودة الاتفاق المطروحة من جانب أمريكا والبنك الدولي، وخاصة أن الموقف العربي جاء قاطعاً في تقديم كافة أنواع الدعم للحفاظ على الحقوق المائية لمصر، وصون أمنها القومي، وهذه المواقف الداعمة لمصر إنما تؤكد روح العروبة في مواجهة أي مخاطر تحدق بالدولة المصرية،وهذا ليس جديدا فقد ساندت الدول العربية مصر في انتصار أكتوبر1973، وقدمت كل أنواع الدعم، بالتالي فإن «عروبة سد النهضة» لا تقل أهمية عن عروبة «أكتوبر» فالمصير مشترك، والتحديات واحدة.

أيضاً ضرورة تفعيل المادة العاشرة من اتفاق المبادئ، واللجوء إلى وساطة الدول التي لها تأثير على إثيوبيا للضغط عليها من أجل الوصول إلى حلول، هذا فضلاً عن أن الجانب المصري قد يضطر إلى اللجوء إلى مجلس الأمن، ومجلس الأمن والسلم الأفريقي إذ إن عناد المفاوض الأثيوبي، وتجاهله لجميع الأعراف والقوانين، والاتفاقيات الدولية المنظمة، من شأنها تهديد الاستقرار والأمن الإقليمي.

هذا بالتوازي مع الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية، والبنك الدولي من أجل وضع الحقيقة أمام الجانب الأثيوبي، والوصول إلى اتفاق يضمن ويحافظ على الحقوق المائية للشعب المصري.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات