موسكو - أنقرة.. نهاية الطريق

«الدب الذي لا تستطيع قتله، إياك أن تجرحه»، هذه رسالة موسكو إلى أنقرة، رسالة شديدة اللهجة، بعد أن أثبت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عدم التزامه بأية تعهدات مع الجانب الروسي.

أردوغان أشعل الحرائق، ولم يعرف من أين يطفئها، صار يتجرع مرارة الغباء، والتجاوزات في حق سيادة الدول وشؤونها الداخلية، توهم أن زيارته المتكررة إلى القيصر من الممكن أن تثني الكرملين عن الحسابات الدقيقة بشأن مصالح موسكو. الخناق يضيق حول رقبة أردوغان، واللقاء بين أنقرة وموسكو، بات - وفق حسابات الواقع - ذاهباً بلا عودة.

المستقبل يحتفظ بهزيمة محققة لتركيا التي صارت معزولة، وهذا لا يحتاج إلى أدلة أو براهين، فالتاريخ شاهد على أن 13 حرباً بين موسكو وأنقرة، انتصرت في جميعها روسيا التي قضت على الدولة العثمانية.

على طاولة التحليل السياسي، فإن تقدير الموقف يؤكد أن الطلاق حدث بالفعل بين بوتين - أردوغان.

اختلاف في الأهداف، وتضاد في الاستراتيجيات، فعندما بدأت القوات الروسية يوم 30 أكتوبر 2015 الدخول في سوريا كان الهدف هو تحرير 50% من المناطق السورية التي تسيطر عليها الجماعات الإرهابية المدعومة من تركيا مثل جماعات أحرار الشام، وداعش، والنصرة، وكتائب عزالدين زنكي، وحراس الدين،.

ولكن الدعم الروسي لسوريا أسهم في استعادة 90% من قبضة هذه الميليشيات الإرهابية، في رسالة تؤكد هزيمة ساحقة لتركيا، وتمكن الجيش السوري من تجاوز بعض النقاط الأمنية التركية، بل أن الضربة الموجعة جاءت بقتل 8 من الجنود الأتراك.

زاد من ورطة الحسابات التركية ما صرحت به وزارة الدفاع الروسية بأنها تسيطر بالكامل على أجواء محافظة إدلب، الأمر الذي يعني عدم السماح لتركيا باستخدام سلاح الجو التركي في الشمال السوري. الخيوط تقطعت، جسور التعاون التي بدأت عام 2015 صارت ضبابية، ومحركات التحليق السياسي أصابتها أعطال سياسية لم يتوقعها الرئيس التركي.

أما الرسالة الأخرى من موسكو فهي أنه في حالة استمرار تركيا دعم الإرهاب والمسلحين الذين يقاتلون في إدلب، فإن روسيا ستعيد الثقة والتعاون مع الأكراد، وهذا ليس جديداً، فالاتحاد السوفييتي السابق شاهد على ذلك.

ما يزيد من خسارة أردوغان، أن كل الأوراق التركية في يد روسيا، فالغاز والسياحة والاستثمارات والـ S400 كلها تأتي من روسيا، وهذا يتزامن مع قيام الحليف الأمريكي لأنقرة بوقف كل شيء، بداية من برنامج التعاون الاستخباراتي الموجه ضد حزب العمال الكردستاني، وصولاً إلى وقف برنامج الطائرات المسيرة المشترك.

كما أن التشدد الروسي في قطع العلاقة مع تركيا سينطلق أيضاً من إدراك الكرملين لمخاطر دعم أنقرة للإرهابيين في آسيا الوسطى، والقوقاز والشرق الأوسط، وهو ما تعتبره موسكو خطاً أحمر لأمنها القومي.

وبالتالي فإنه بات مستحيلاً أن تقف أنقرة وموسكو في خندق واحد، سيما أن هناك دراسات تتوقع بأن هذه الميليشيات الإرهابية هدفها النهائي هو الذهاب لتقويض الدولة الروسية، فرؤية الأمن القومي الأمريكي تنطلق من الرهان على نقل هذه الجماعات المسلحة إلى جمهوريات الشيشان، وبشكيريا، وأنجوشيا، مما يسهم في ضرب وخلخلة الاستقرار الروسي.

لم تتوقف المخاطرة الأردوغانية عند هذا التفكير المسموم، بل إن الرئيس التركي وقف ليحي العلم الأوكراني رافضاً الاعتراف بضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا. لا أحد يدري على ماذا يراهن أردوغان؟

خسر كل أوراق التفاوض مع روسيا ولم يتوقف عن طرق أبوابها. أيضاً يضاعف الخلاف التركي الروسي ما يحدث على الأراضي الليبية، فبعد أن تأكدت روسيا من الخداع في سوريا، لم تأمن موسكو لأنقرة في ليبيا، الأمر الذي دفع روسيا للإعلان بشكل صريح عن دعم الجيش الوطني الليبي في مواجهة المرتزقة في طرابلس ومصراته.

خاصة أن روسيا تدرك جيداً أن تركيا تشكل حاجزاً ومانعاً لأي عودة روسية إلى ليبيا. إذاً كل الطرق تؤدي إلى توسيع الفجوة بين أنقرة وموسكو، بل ربما إلى نهاية العلاقة، وأن الرئيس التركي بات يعاني هزائم خارجية وتآكل الشعبية داخلياً وأنه صار معزولاً بعد أن قررت موسكو حليفته الرئيسية التخلي عنه.

* رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات