فنجان قهوة على شاطئ الخليج العربي

كانت لحظة شروق بتوقيت أبوظبي، تناولت فنجان قهوة بأحد المقاهي المطلة على شاطئ الخليج العربي، امتطيت مرمى البصر، استحضرت جغرافيا المكان، التغيير الحضاري من طرق وكباري ومعمار يحتضن اللحظة، الإمارات العربية المتحدة نجحت في العبور من عنق التحدي إلى رحابة العالمية بمقاييس عصرية، تزاحم في خيالي التاريخ مع جغرافيا المكان، تساءلت:لو تحدث هذا الخليج العربي، بماذا سينطق عن التشابكات والتعقيدات التي تلاحق أمواجه السياسية؟

كيف نجح المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مؤسس الدولة، أن يضع البذور حتى تستمر دولة بهذه القوة والاستقرار؟

كيف كان حكيم العرب ينظر إلى مجتمع دولة الإمارات في إطار سياق أوسع مترامي الأطراف على الساحتين الإقليمية والدولية؟

تلاحقت الأسئلة في ذهني، وأنا أراقب أمواج الخليج، بينما وجدت نفسي أتوقف عند عنوان كتاب «مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة في القرن الحادي والعشرين» للدكتور المفكر جمال سند السويدي الذي أبحر بعمق في التركيبة المجتمعية والاقتصادية والإنسانية لدولة الإمارات من زوايا وجوانب مختلفة.

ليؤكد رسائل عديدة ومهمة عبر مسيرة مؤسس الاتحاد، إذ يعتبر أن تجربة المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، في بناء دولة الإمارات أكبر مصدر للإلهام بالنسبة للإماراتيين في قوة الإرادة والإصرار على التفوق والنجاح مهما كانت الصعوبات،.

فقد كان لدى الشيخ زايد، رحمه الله، حلم كبير منذ صباه لتحقيق الوحدة بين الإمارات من ناحية، ووضع بلاده ضمن مصاف البلاد المتقدمة على المستويات الاقتصادية والصحية والتعليمية من ناحية أخرى، وأصر على تحقيق ذلك وتحويله إلى حقيقة بالرغم من كل العقبات التي كانت موجودة أمامه،.

ولكن بفضل إصراره وثقته بنفسه وقناعته بحلمه، استطاع أن يحوّل ما كان يخطه على الرمل من رؤى وتصورات وأحلام إلى واقع حقيقي، مستنداً إلى رؤى علمية من خلال اهتمامه بنشر العلم والمعرفة.

فقد وجّه بالاحتفال بأول يوم للعلم في دولة الإمارات عام 1974، كما توقف الدكتور السويدي عند أهمية تعزيز الشعور بالفخر الوطني كأحد محفزات الوحدة، مؤكداً أن النجاح في تحقيق الوحدة على الرغم من التحديات كان لها دور كبير في تعزيز هذا الشعور بالوطنية لدى كل أبناء المجتمع الإماراتي.

لاسيّما أن تجربة الوحدة الإماراتية استطاعت الصمود والتطوّر والاستمرار، بينما تعرضت كل التجارب الوحدوية العربية الأخرى إلى الانهيار أو الانتكاسة، وهذا ما عمّق إيمان المجتمع الإماراتي بتفرده وقدرته على النجاح مهما كانت العقبات.

وأن كل ذلك لم يأتِ من فراغ وإنما من نهج للقيادة يقوم على بث هذه الروح في المواطنين بالفعل قبل القول، فها هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، يؤكد أن المستحيل هو كلمة اخترعها من لا يريدون العمل أو كلمة اخترعها لنا من لا يريدوننا أن نعمل.

وأن المستحيل كلمة يستخدمها بعض الناس لوضع حد لأحلامهم وطموحاتهم وتطلعاتهم، بل إنه قيد يضعه الإنسان في يده أو في رجله يمنعه من الحركة، وأن المستحيل هو أكبر سجن يمكن أن يضع الإنسان نفسه فيه.

وفي السياق نفسه، يواصل الدكتور السويدي تفاعله مع الحالة الإماراتية في القرن الواحد والعشرين، فيقدم لنا نهجاً آخر لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي خاطب شباب الدولة قائلاً: «نريد أن ننافس بكم دول العالم، فطموحنا أن ننافس العالم المتقدم الذي حقق نجاحات كبيرة في التنمية البشرية، والتعليم والاقتصاد مثل فنلندا، ونيوزيلندا، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة».

هذا النهج الذي قاد دولة الإمارات لقفزات اقتصادية وتعليمية وصحية، واستقرار مجتمعي إنما ينطلق من رؤية آمن بها حكيم العرب تقول: «إن المواطن هو الثروة الحقيقية على هذه الأرض، وهو أغلى إمكانيات هذا البلد».

* رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات