هل سلّم ماكرون دول البلقان لروسيا؟

تعرّض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لانتقادات واسعة النطاق لرفضه دول البلقان، مستخدماً حق النقض (الفيتو) للاعتراض على بدء محادثات انضمام ألبانيا ومقدونيا الشمالية للاتحاد الأوروبي.

ويحذر العديد من المراقبين (في الغرب) الآن من أن روسيا سوف تقطف ثمار ذلك، حيث إن دول البلقان الغربية تشعر بأن الغرب سد الطريق أمامها بعد إكمال قسم كبير مما طلب منها. وتزداد مخاوف هؤلاء في ظل تحركات غير مخفية للنخب المحلية للتقرب من الكرملين.

الكرملين بدوره يتقدم لملء الفراغ، مقدماً صفقات أسلحة جذابة ومرسلاً دعوات لحضور قمم رفيعة المستوى. ففي غضون أيام على «الفيتو» الفرنسي، أجرت روسيا مناورات عسكرية مشتركة مع صربيا، ودعت الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش لتفقد نظام صواريخها «إس-400».

وفيما كان هذا الأخير يصف مزايا الأسلحة الروسية، تحمست وسائل الإعلام الصربية لتسريبة تفيد بأن صربيا كانت تفكر في شراء النظام. لم تكترث بلغراد لدحض الإشاعة إلا بعد أن هدد المسؤولون الأمريكيون بفرض عقوبات إذا اشترت الصواريخ.

هذا النشاط المتزايد الموالي لروسيا لم يقتصر على صربيا، إذ قررت قيادة مقدونيا الشمالية، المعروفة فيما مضى بوجه نظرها القوية الموالية للغرب، إعادة النظر في علاقاتها مع روسيا في أعقاب «الفيتو» الفرنسي.

قبل عامين فقط، ألمح رئيس وزراء مقدونيا الشمالية، زوران زئيف، إلى أن روسيا قد تتآمر للإطاحة به. لكنه افتتح، في نوفمبر، المنتدى الاقتصادي المقدوني وأطرى على آفاق التعاون الاقتصادي مع موسكو. وفي تحول مماثل، قبل رئيس مقدونيا الشمالية، ستيفو بنداروفسكي، دعوة الكرملين لحضور موكب عيد النصر في الساحة الحمراء في مايو المقبل.

ويعزز هذا العدد والتركيز من الإيماءات الموالية لروسيا في البلقان الغربية الانطباع بحدوث توسع كبير مرجح لنفوذ الكرملين في المنطقة. لكن هناك قراءة أخرى محتملة لتداعيات سلوك ماكرون الاعتباطي. فقد شاهد العالم، مراراً وتكراراً، دول البلقان تستخدم مثل تلك المناورات للحصول على تنازلات من الغرب.

إن إلقاء نظرة فاحصة على الأحداث في صربيا يكشف عن أن «الفيتو» الفرنسي لم يعطل تحديداً ما تقوم به البلاد من توازنات بين روسيا والغرب. فصربيا تجري تدريبات عسكرية مع روسيا على أساس نصف سنوي، لكن هذا يحدث بوتيرة أقل بكثير من تعاونها مع دول حلف «الناتو».

وما وراء حديث فوفيتش عن اقتناء صواريخ «أس-400» الروسية، دافع الحصول على تغطية مواتية في وسائل الإعلام المحلية. ففي تلك اللحظة بالتحديد، كانت صربيا تتبنى «خطة عمل شراكة فردية» جديدة مع حلف «الناتو»، وهذا نوع التحرك الذي كان سيكلف فوفيتش خسارة كبيرة من الدعم الشعبي في المجتمع الصربي، فيما ثبت أن الشائعات حول شراء «إس-400»، مجرد تمنٍ.

وفي السياق نفسه، أحدث اتفاق التجارة الحرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي ضجة في وسائل الإعلام، لكنه لن يغير سوى القليل على الأرض. فشروط الاتفاق تكرر إلى حد كبير اتفاقية تجارة حرة التي أبرمتها صربيا مع روسيا منذ عام 2000.

وبالكاد تخفي اجتماعات فوفيتش المتكررة مع بوتين واقع أن الحوار بينهما يخلو بشكل واسع من أي مضمون. والاجتماع في أوائل ديسمبر لم يشكل استثناءً. فقد تلا الزعيمان قائمة قصيرة من مجالات التعاون شهدت تغيراً محدوداً على مدى عقد: ترانزيت الغاز، تحديث سكك الحديد، والصراع في كوسوفو.

وكانت النبرة المتجانسة للاجتماع تخفي شكوك الكرملين المتزايدة من أن فوفيتش سرّب صورة العميل الروسي لوسائل الإعلام للتقرب من الغرب والتعويض عن الغضب الذي أشعلته شائعات «إس-400».

وكانت محاولات مقدونيا الشمالية لإصلاح العلاقات مع روسيا، واعدة بدرجة أقل حتى. فروسيا لا تثق بشدة في قيادة مقدونيا الحالية، التي تعتقد أنها وصلت إلى السلطة على رأس ثورة ملونة بتنظيم من الغرب.

كما أن رئيس الوزراء زئيف، والرئيس بنداروفكسي، فازا بالانتخابات على برنامج موالٍ لأوروبا، ومن غير المرجح أن يتمكنا من التفوق على خصومهما القوميين، إذا تنافسا في مجال موالٍ لروسيا.

كل هذا يشير إلى أن موجة النشاط المؤيدة لروسيا في البلقان الغربية مدفوعة بمتطلبات محلية بدلاً من استراتيجية روسية أكثر فعالية ونشاطاً في المنطقة. ويعتقد قادة البلقان أن التقرب من موسكو أسهل وسيلة لجعل الغرب أقل تطلباً في مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

ويحرص الكرملين على اللعب لتعزيز نفوذه الدولي، لكنه متردد حيال التحول من الموقف التفاعلي الحالي مع الأحداث إلى نهج أكثر نشاطاً في المنطقة.

بالنسبة إلى روسيا، تعد دول البلقان الغربية واحدة من ملاعب عدة ضمن علاقاتها المتدهورة بشدة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. إبقاء المنطقة في حالة من عدم اليقين وخارج الناتو/‏‏‏ الاتحاد الأوروبي يساعد في صرف انتباه الغرب عن مساعٍ مماثلة في أجزاء من الاتحاد السوفييتي السابق، حيث المخاطر بالنسبة إلى روسيا هي أعلى بلا حدود.

وفيما يحوّل ماكرون أنظاره نحو تنظيم إعادة ضبط للعلاقة مع موسكو، من غير المرجح أن يعرض الكرملين للخطر هذه الديناميات المواتية له، من خلال القيام بخطوات في دول البلقان الغربية، وهي منطقة حيث روسيا في نهاية المطاف لديها مصالح محدودة في أحسن الأحوال.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات