العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    أمريكا بحاجة لحلف الناتو

    بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متساهلاً على نحو غير معهود، مع تجنب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون عدسات المصورين والتقاط صور لهما معاً في مشهد مجازي تعبيري لاجتماع دول منظمة حلف شمالي الأطلسي العام «ناتو» مؤخراً.

    في الذكرى السنوية السبعين لتأسيسه، من المرجح أن يكون التحالف الذي يضمّ 29 دولة قد عمل على رؤية ما للمستقبل، حيث المخطط الرئيسي القاضي بإبقاء الأمريكيين داخل الحلف، والسوفييت خارجه، والألمان على هامشه، كان يمكن تحديثه، إلا أن الحدث اتسم كفعل ممارسة الحدّ من الضرر الدبلوماسي.

    تشهد الروح الأطلسية أزمة، بوقوعها بين أمريكا متقلبة وأوروبيين مقتّرين. أما موجة التشاحن العلني بين ترامب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فتقصي فكرة إحراز الحلف لأي تقدّم يذكر.

    يصعب تتبّع مسار ترامب، الذي اعتاد سحج «ناتو» باعتباره تفاهة مكلفة وعبئاً غير عادل مفروض على دافعي الضرائب الأمريكيين، لكنه تراجع ووصف الحلف بأنه «يخدم غايةً عظيمة». رفع الأوروبيون كلفة الإنفاق الدفاعي، وترامب يريد أن يحصد الفضل في ذلك، يقابله ماكرون الذي أصبح يصف الحلف بـ«الميت دماغياً»، ويريد من الأوروبيين إيجاد سبيل آخر للدفاع عن أنفسهم.

    بعد الاستماع مؤخراً للأحلام المشتتة والأفكار غير المترابطة التي تشتمل عليها رؤية ترامب للعالم، يبدو منطقياً القول إن الأمور ستكون أسوأ حالاً إذا فاز بولاية ثانية عام 2020. وما زلت أصارع شخصياً المنطق القائل بأن المصالح الأمريكية تخدمها سياسة عقوبات على حلفائها الأوروبيين إلى جانب اتفاقية تجارية ثلاثية مع الصين وروسيا. ولنكن عادلين فإن ترامب قد حذر من عدم حصولها.

    ومع ذلك، وفي خضم كل ذلك التنافر وبعض التباينات الحقيقية، يجب ألا يظن أحد بأن اللعبة قد انتهت بالنسبة لـ«ناتو». بالطبع، إنه تحالف مصمم للحرب الباردة، ولو لم تكن موجودةً، أشك بأن أحداً كان ليخترعها. لكن، لماذا قد يسعى أحدهم، سيما ترامب، في لحظة من الاضطراب الجيوسياسي الذي وضع ديمقراطيات الغرب بمواجهة الصين الصاعدة، وروسيا التعديلية، لتقويض منظومة الدفاع المشترك؟

    تحتاج أوروبا لبناء قدراتها الخاصة، وقد بدأت بخطوة أولى بسيطة في إفريقيا، لكنها تحتاج لأن تضطلع بالمزيد من المسؤوليات فيما يتعلق بأمن وازدهار جيرانها الأقربين. لكن الواقعية ضرورية كذلك، سيما أن الطريق طويل أمام القارة قبل أن تتمكن من الدفاع عن نفسها بشكل جيد بوجه نظام متمدد في موسكو، على سبيل المثال.

    لقد أصاب ماكرون القول بأنه من المنطقي أن يتعاطى مع روسيا، كما فعل أثناء الحرب الباردة. وعلينا أن نفترض بأنه لا يتحدث عن إعادة تقسيم أوروبا إلى معسكري نفوذ غربي وروسي. فتلك الأيام قد ولّت، وإن الحوار مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيكون مجدياً فقط إذا انطلق الغرب من موقع قوة.

    يعتمد مستقبل «ناتو» حتماً على التزام أمريكا. وهنا يكمن الضمان، الذي يتم التغاضي عنه عموماً، بتوفير مستقبل آمن للحلف. وقد طال الحديث عن التزام واشنطن العسكري غير المتكافئ بحيث بات كثيرون يرون فيه فعل إيثار. في الحقيقة، لقد دفعت أمريكا لـ«ناتو» لأنه كان يخدم المصالح القومية الأمريكية، ولا يزال.

    وتشير نظرة متهاونة لتلك المصالح القومية بالقول إن التركيز قد تبدّل مع صعود نجم الصين، وإن مواجهة التفوق الأمريكي من قبل بكين يعني أن الهادئ يحتاج اليوم لأكثر من الأطلسي. في حين لم تعد روسيا تشكل خطراً مباشراً على أمريكا.

    ويرتكز التحليل على إساءة تقدير جوهرية تقول بأن التنافس بين أمريكا والصين محصور بالهادئ. فاندفاع بكين الأبرز يتجه غرباً، ومبادرة الحزام والطريق مصممة بعناية لتهميش روسيا، وتقريب أوروبا من آسيا وإنشاء الصين كقوة متفوقة ضمن أوراسيا، أغنى مناطق العالم وأكثرها سكاناً. وإن تخلّي أمريكا عن أوروبا سيحقق لبكين طموحها الاستراتيجي الأبرز.

    سيعمل الانسحاب من الأطلسي على أكثر من مجرد حرمان أمريكا من الحلفاء والقواعد الضرورية للدفاع عن مصالحها العالمية. وسيعيد رسم ملامح الولايات المتحدة على أنها قوة إقليمية أكثر منها لاعب دولي. وقد أبدى غالبية الأمريكيين تعبهم من دور الشرطي العالمي، لكنهم لم يقترحوا بعد الانعزال، إلى ذلك الحين، فإن «ناتو» بأمان.

     

     

    طباعة Email