العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    تركيا والتدخل السافر في ليبيا

    كأن هناك مخططاً شيطانياً ممنهجاً بضرورة استنزاف المنطقة العربية، وإشعال الأوضاع فيها، حتى لا تتفرغ للتنمية والتطور، وتستمر تلعق جراحها باستمرار.

    ربما تكون ليبيا هي النموذج الحي لذلك التخطيط الشيطاني، فما كادت ليبيا تقترب من شاطئ الاستقرار، وتعود دولة قوية موحدة لشعبها ومحيطها العربي، حتى امتدت يد العبث التركي في محاولة «خبيثة» لتطيل أمد الصراع على الأرض الليبية، واستمرار الأوضاع «المأزومة» بها بغض النظر عن متاعب وآلام الشعب الليبي الذي ضاقت به الأرض بما رحبت، وأصبح ينتظر يوم الخلاص بفارغ الصبر بعد أن دخلت معاناته عامها التاسع.

    عزلة تركيا، ومتاعبها الاقتصادية وانقساماتها السياسية، جعلت الرئيس التركي يبحث عن مخرج لأزماته المتعددة، ووجد في ليبيا «المخرج المؤقت»، ولجأ إلى حليفه المعزول من شعبه فايز السراج، ليقوما بأخطر عملية مقايضة في التاريخ، فقاما بتوقيع اتفاقية لترسيم الحدود فيما بينهما ليعطي السراج موطئ قدم لـ «أردوغان» في غاز البحر المتوسط، وفي المقابل يقدم «أردوغان» الحماية لـ «السراج» المتحالف مع الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة، وبارونات الحرب، على حساب الشعب الليبي.

    ربما يكون السيناريو الوحيد الواضح حتى الآن هو أن الشعب الليبي سوف يزداد عزمًا وصلابة على مجابهة القوات الأجنبية التركية التي جاءت لتحمي الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة، وتساند حكومة معزولة ومرفوضة وغير شرعية هي حكومة فايز السراج التي انتهت صلاحيتها، وفقدت مصداقيتها.

    هذه المرة تخفى التدخل الأجنبي في تلك الدول تحت مظلة محلية، كما حدث في اليمن حينما قام الحوثيون، وهم من أبناء اليمن، بانقلاب على الشرعية مدعومين من دولة أجنبية لها أجندة ومصالح، وهي إيران.

    نفس السيناريو حدث في سوريا ولبنان والعراق، حينما قامت بعض الفصائل المحلية بالاحتماء بالتدخلات الأجنبية. المشكلة أن هناك بعض أبناء الداخل في بعض تلك الدول هم من يعطون الشرعية المزيفة للتدخلات الأجنبية ويفتحون الباب أمام «إحراق دولهم» وزيادة معاناة شعوبهم كما يحدث الآن في ليبيا، وهذا ما تقوم به حكومة فايز السراج من تآمر على حساب مصالح الشعب الليبي وتعميق جراحه وآلامه، وزيادة معاناة المواطن الليبي البسيط الذي سئم الحياة تحت دوي الطلقات، أو ذلك «المواطن» الذي فر هارباً إلى دول أخرى ليعيش حياة اللاجئين إذا نجح ونجا من الموت في «عرض البحر» قبل أن يصل إلى الوجهة التي يرغب في الفرار إليها.

    الغريب أن تركيا صمت «آذانها» وأعمت «عيونها» عن اجتماعات مجلس الجامعة العربية الأخيرة في الأسبوع الماضي في القاهرة، والتي رفضت فيها التدخلات الأجنبية في ليبيا، وطالبت فيها باحترام إرادة الشعب الليبي في تقرير مصيره بعيداً عن التدخلات الأجنبية التي تريد عرقلة جهود توحيد ليبيا تحت مظلة الجيش الوطني وشرعية مجلس النواب، الجهة الوحيدة التي لها صفة الشرعية في ليبيا.

    من المهم أن تواصل جامعة الدول العربية تحركاتها بأقصى سرعة ممكنة الآن، وتقوم بعقد مجلس جديد للجامعة بحضور رؤساء الدول أو على الأقل وزراء الخارجية لاستكمال الخطوات التي اعتمدها مجلس الجامعة في اجتماعه الأخير يوم 31 ديسمبر، وتضع سيناريو حماية آخر في مواجهة السيناريو التركي الجديد.

    الموقف المصري واضح منذ البداية والذي أكده الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة، وهو مساندة مؤسسات الدولة الليبية وضرورة تمكين الجيش الليبي من فرض ولايته علي كامل الأراضي الليبية لبسط الأمن والاستقرار فيها، ثم الانتقال إلى تنفيذ الاستحقاقات السياسية والدستورية المختلفة، لإنهاء المأساة الليبية المستمرة منذ تسع سنوات.

    مصر تريد الخير للشقيقة «ليبيا» لأن ليبيا جزء من الأمن القومي المصري، والشعبان المصري والليبي تربطهما علاقة دم ونسب ومصاهرة منذ قديم الزمان، وهي تهدف في كل تحركاتها إلى سرعة إنهاء معاناة الشعب الليبي بعيداً عن مغامرات «أردوغان» وضيق أفق «السراج»، ولا تنحاز إلا إلى المواطن الليبي البسيط الذي يبحث عن «أمانه المفقود» وثرواته «الضائعة».

     

     

    طباعة Email