العزل وفن الإقناع المفقود

تتبدى في واحدةٍ من جوانب السياسة الأمريكية الأكثر إحباطاً الفرضية القائلة إن لا أحد يمكن إقناعه بأي شيء إضافي. يقال إننا أسرى هوياتنا وفقاعاتنا الإعلامية ومعتقداتنا، وأحيائنا المتجانسة ومجموعة الأصدقاء عبر الإنترنت.

تلك الفكرة بذاتها تقويض للديمقراطية الليبرالية. ليس التصويت لهوياتنا بالأمر المستجد طبعاً، وإن تحالف ترامب 2016 لم يكن مغايراً ديموغرافياً بتاتاً عن ائتلاف ميت رومني 2012، ولو اتسم ببعض الانحرافات البسيطة نسبياً في بعض من الولايات لمنح ترامب الفوز الانتخابي.

إلا أن الانتخابات ليست ببساطة تعداد أصوات أشبه بالإحصاء، ولا نقاشات سياسية تميل لأن تكون تنسيقاً لنقاط تعزز مواقف الجهات التي تساندها أصلاً. وتكمن فائدة الجمهوريات الديمقراطية في أنها تعزز تبادل الآراء الحرّة، مما يمكّننا جميعاً من معرفة أمور لم نكن نعلمها سابقاً، وأن نبدّل آراءنا. وتتيح هذه العملية بدورها مسيرة الإصلاح الذاتي على المستوى القومي.

وتتجسّد عبقرية حركة الحقوق المدنية لفترة الستينيات بأنها لامست جوهر طبيعة الاضطهاد العرقي في أمريكا.

أما فترة الركود الاقتصادي وتأجيج حركة «احتلوا وول ستريت» والمجموعات الأخرى قد بدّل طريقة مناقشتنا لانعدام المساواة الاقتصادية، فيما حوّرت الحركة النسوية أسلوب تفكيرنا بأدوار الجنسين، وعدّل طلاب مدرسة «مارجوري ستونمان دوغلاس» الثانوية مسار الجدال المتعلق بالأسلحة على نحو جوهري.

وأشك في أن كل ذلك التاريخ قد خطر في بال رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي حين استشاطت غضباً مؤخراً إزاء سؤال الصحفي جيمس روزن من مجموعة سينكلير اليمينية القائل «هل تكرهين الرئيس؟»، إلا أن الدرس الأكبر من القصة الأمريكية قد حضرها حتماً.

الإجابة أشعلت حرارة تصفيق المؤيدين، سيما الليبراليين الكاثوليك الذين ساندتهم من خلال الإصرار على أنها «ككاثوليكية، تشعر بالاستياء لاستخدام كلمة (كراهية) في جملة موجهةٍ إليها. وأنها لا تكن الكراهية لأحد» لقد كان محفزاً استدعاء الكاثوليكية كدعوة للحب والصلاة، سيما بالنسبة لترامب.

إلا أن بيلوسي قصدت أمراً آخر، فهي تعلم أن المدافعين عن ترامب يريدون التركيز على دوافع معارضي الرئيس وجعل هذه المعركة تدور حول التعصّب الحزبي أكثر من أي شيء آخر. أولئك الذين يسمحون لترامب القيام بما يحلو له دون حساب. يريدوننا ألا نتحدث حول سلوكه.

وتتركز مزاعمهم حول أن الأمر برمته يتعلق بالهوية، بأعداء الرئيس السياسيين الحقيقيين، النخبويين المحبين للمهاجرين غير المتدينين، مقابل أصدقائه الكادحين المتدينين المدافعين عن الأسلحة دافعي الضرائب الذين يعيشون في الريف والبلدات الصغيرة.

لقد جاءت إثارة بيلوسي لموضوع الإيمان الديني بمثابة وسيلة للإطاحة بتلك الرواية، إلا أن اهتمامها بفصل خلافاتها السياسية مع ترامب عن أسباب العزل لفت الانتباه إلى أن الرأي المكوّن حول مسألة العزل لا يزال غير ثابت، وأن هناك مجالاً للإقناع.

وقد أشارت دراسة لشركة «538» الإحصائية على سبيل المثال، بأن ربع الأمريكيين لا يزالون غير متأكدين من آرائهم حيال مسألة العزل تلك. وإن الأشخاص الذين يعارضون العزل يبدون أكثر انفتاحاً حيال مراجعة أنفسهم أكثر من أولئك الداعمين لمسألة عزله.

وأفاد استطلاع لجامعة «كوينيبياك» أجري الشهر الفائت بأن 17 بالمئة من الذين يقفون ضد عزل ترامب وإزالته من منصبه قد يغيرون رأيهم، في حين أن ثمانية بالمئة فقط من الداعمين لعزله قبلوا تبديل آرائهم.

ويعني ذلك أن الذين يرون في مسألة العزل ضرورة أخلاقية يحتاجون لتفادي اللعب وفق تصوراتهم والبدء بالمحاربة بدلاً من تعزيز روايات حرب الثقافات التي يعوّل عليها ترامب.

ومن غير المفاجئ أن عدداً من خصوم ترامب مهووس بقضية العزل، لكن لا بدّ من الإدراك أن الذين قد ينضمون إلى صفوفهم ليسوا كذلك. وعلى نحو مناقض، فإن الظهور بمظهر التحزّب يصب في صالح الجمهوريين، ويتعين على الديمقراطيين أن يظهروا بأن لا شيء «اعتيادي» حيال سلوك ترامب وأنه يشكل تهديداً حقيقياً للنظام.

تفهم بيلوسي جيداً الناس الذي يحتاج حزبها التحدث إليهم، ولهذا السبب اختارت أن تجيب بشكل متحزّب مصحوب بالإشارة للصلاة، وأن تصرّ على أنها لا تكره شيئاً أكثر من الكراهية نفسها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات