الخيار الوحيد في معركة منتصف الطريق

أعتقد أن مرحلة «منتصف الطريق» ربما تكون هي المرحلة الأصعب دائماً في كل مجالات الحياة بلا استثناء، بدءاً بالمعارك الحربية، ومروراً بمعارك التنمية والبناء، وانتهاءً بالحياة الشخصية في منتصف العمر.

مصر الآن قطعت شوطاً هائلاً في التنمية والبناء والسياسة والاقتصاد، وبعد أن كانت سياسياً «معزولة» و«مهمشة» و«محاصرة» أصبح الوجود المصري في الساحة الدولية هو الأبرز والأكثر تأثيراً، وبنظرة بسيطة على اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في الشهر الماضي، نجد أن الرئيس عبد الفتاح السيسي كان واحداً من أبرز الرؤساء المشاركين في هذه الاجتماعات نشاطاً وتأثيراً، ونجح في توضيح رؤية مصر بكل قوة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأمام قمتي الصحة والتنمية المستدامة.

إلى جوار ذلك التقى 20 رئيس دولة وحكومة، ووفود 4 من كبريات المنظمات الأمريكية، بالإضافة إلى 3 وفود من المنظمات العالمية.

نشاط يعكس بوضوح حجم النجاح الذي حققته السياسة الخارجية المصرية لتصبح مصر لأول مرة دون مبالغة تمتلك علاقات شديدة التميز وبنفس القوة مع كل الأقطاب الدولية (أمريكا ـ الصين ـ روسيا ـ الاتحاد الأوروبي ـ اليابان) وغيرها من دول العالم بعد أن ظلت مصر 6 عقود كاملة تتجه إما شرقاً وإما غرباً، وبعد أن كانت مصر مجمدة العضوية في الاتحاد الأفريقي أصبحت رئيسة له حالياً.

هذا النجاح غير المسبوق في السياسة الخارجية لم يأتِ من فراغ، وإنما جاء مصاحباً لنجاح اقتصادي معترف به من كل المؤسسات الاقتصادية العالمية بدءاً من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي مروراً بكل المنظمات والصناديق والمؤسسات الاقتصادية العالمية التي لا تجامل أحداً، وأصبحت تضع الاقتصاد المصري في مصاف الاقتصادات الواعدة، والأكثر نمواً وتطوراً، ليرتفع تصنيف الاقتصاد المصري، ويقفز في ترتيب الاقتصادات العالمية إلى مرتبة متقدمة ويحتل المركز الثالث عربياً وأفريقياً.

الحديث عن معركة منتصف الطريق ليس حديثاً مصرياً خاصاً، فكل دول العالم التي خاضت معركة التنمية الاقتصادية مرت بتلك المرحلة، ويكفي أن نشير إلى أن الصين بدأت مسيرة الإصلاح الاقتصادي في 1978 في عهد الزعيم الصيني «دينج شياو بينج»، وعلى مدى 41 عاماً شهدت الصين مسيرة إصلاح اقتصادي صعبة ومعقدة اجتازت فيها المراحل نفسها، لتنجح بالنهاية في إنقاذ العملاق الصيني من الانهيار، وتحويله إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر مُصدر في العالم، وثاني أكبر مستورد.

مصر بدأت تجربة الإصلاح الاقتصادي منذ 3 سنوات فقط، وهي فترة في عمر الزمن والإصلاح الاقتصادي «قصيرة جداً»، لأنها تعالج أخطاء فترات سابقة، حتى كانت 25 يناير وما صاحبها من فوضى وانفلات وتوقف لحركة العمل والإنتاج، لينهار الاقتصاد المصري بعنف ويصبح على «شفا الإفلاس»، ولم يكن هناك مفر من بدء خطة إصلاح حقيقي وسريع، ونجح الاقتصاد المصري في تخطي أصعب مراحله خلال السنوات الثلاث الماضية.

السؤال: هل انتهينا من الإصلاح الاقتصادي؟ وهل يمكن التوقف في منتصف الطريق والاكتفاء بما حدث؟

للأسف هناك من يزعجهم حجم النجاح الذي تحقق للدولة المصرية في كل مجالاتها، ولا يريد استمرار مسيرة الإصلاح، مستغلين في ذلك الظروف الاقتصادية الصعبة التي صاحبت الإصلاح الاقتصادي في بدايته، ويريدون افتعال ما يمكن تسميته بـ «معركة منتصف الطريق»، لإحداث انتكاسة كبرى تؤدي إلى انهيار اقتصادي شامل، وعودة سيناريوهات الفوضى والانفلات، مستخدمين في ذلك أبواقاً إعلامية خارجية ضخمة بما يشير إلى التآمر وسوء النية والقصد.

يؤكد ذلك ما تفعله أكثر من 6 قنوات لا تعرف للمهنية طريقاً، واختارت منهج التحريض والفتنة طيلة الوقت، وخصصت كل برامجها لتزييف الحقائق، ونشر الأكاذيب.

لا بديل عن كسب معركة منتصف الطريق بالإصرار والصبر، ومعالجة الآثار الجانبية والمراجعة الدورية لكل الملفات حتى نصل إلى بر الأمان بأكبر المكاسب وأقل الأضرار، لتتبوأ مصر مكانتها تحت الشمس في كل المجالات وعلى مختلف الأصعدة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات