التشكيك الألماني في منطقة اليورو

توجد مفارقة مثيرة للقلق في صميم اتحاد العملة الأوروبية الذي مضى عليه 20 عاماً، ففي الوقت الذي تشكل ألمانيا القلب النابض لاقتصاد منطقة اليورو، كان الألمان، من أعلى مستويات صنع السياسات إلى أدنى مستويات الإعلام الجماهيري، أكثر المنتقدين صراحة للتدابير غير التقليدية المتخذة خلال العقد الماضي لضمان بقاء منطقة اليورو.

وفي ألمانيا، يمتد عدم الرضا عن البنك المركزي الأوروبي إلى ما هو أبعد من عالم البنوك المركزية. فبعد إعلان رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي، عن إجراءات تحفيز نقدية أخيرة للبنك في 12 سبتمبر، شجب رئيس جمعية بنوك الادخار الألمانية، هلموت شلاويس، الخطوات واصفاً إياها بـ «الكارثية»، وشبهت صحيفة التابلويد الأكثر شعبية في البلاد «بيلد زايتونغ»، دراغي بمصاص دماء المدخرين الألمان.

وعبر الطيف السياسي والمجتمع، تنتشر مشاعر عدم الثقة بإجراءات البنك المركزي الأوروبي على نحو واسع. من جهتها، قدمت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل دعماً هادئاً لدراغي، وحرصت على عدم توجيه انتقادات لمبادراته، لكن العديد من السياسيين والاقتصاديين وقادة الأعمال والإعلاميين أظهروا قدراً أقل من ضبط النفس.

وقد غطت الهجمات المتتالية على دراغي على المبدأ الألماني الذين كان مقدساً فيما مضى، بأنه يجب على البنك المركزي أن يكون مستقلاً عن الضغوط السياسية.

وتثير أسعار الفائدة السلبية للبنك المركزي الأوروبي السخط في ألمانيا، حيث يقال إن التقادم السكاني الذي تعاني منه ألمانيا يحتاج إلى عوائد مناسبة على المدخرات. لكن إجراءات البنك المركزي الأوروبي تصب في صالح الألمان الأثرياء من خلال ارتفاع قيمة الممتلكات والأسهم والأصول الأخرى.

بالإضافة إلى ذلك، فقد حققت سياسات أسعار فائدة البنك المركزي الأوروبي للحكومة الألمانية مكاسب غير متوقعة من خلال رفع عائدات السندات السيادية إلى مستويات قياسية. وفي ظل تكاليف اقتراض منخفضة للغاية واقتصاد على حافة الركود، فإن جوقة من الأصوات كانت تدعو ألمانيا إلى تخفيف قيودها المالية وإطلاق خطة للاستثمار في البنية التحتية.

يقول رئيس أحد جماعات الضغط في ألمانيا «بي دي أي»، ديتر كيمبف، إن الوقت حان لكي تخفف الحكومة إصرارها على ميزانيات متوازنة. وقال وزير المالية الفرنسي، برونو لو ماير: «يجب أن تستثمر ألمانيا، يتعين عليها الاستثمار الآن».

من جهته، قد يأخذ «الائتلاف الكبير» بين المسحيين الديمقراطيين والاشتراكيين الديمقراطيين، الذي يحتفظ بالسلطة في برلين، بتلك النصيحة يوماً ما. أما تردده في القيام بذلك، إنما يعكس وجهة النظر التي تقول إنه على ألمانيا أن تضرب مثالاً في الحكمة لبلدان أخرى في مجال إدارة الميزانية، لاسيما بلدان جنوب أوروبا. ويشير الحذر الألماني أيضاً إلى عدم وجود اتجاه حازم في الحكومة.

فميركل تقترب من نهاية حكمها الطويل، وكل حزب حاكم يشعر بأن الشراكة بين الحزبين، «الائتلاف الكبير» الثالث، قد تجاوز فائدته. وبرغم الخلافات الحزبية، إلا أنه لا يزال هناك إجماع بأن ألمانيا لا يجب إغواؤها وجرها باتجاه مخططات كبرى من التكامل الأوروبي تضع برلين في دور دافع رواتب لـ «اتحاد تحويل الأموال».

وقد قدمت ألمانيا رداً فاتراً على مقترحات تدعو لتكامل أعمق من قبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وفي البنك المركزي الأوروبي، ستواجه كريستين لاغارد، رئيسة صندوق النقد الدولي التي سوف تحل مكان دراغي في 1 نوفمبر، مشكلة تتمثل في أن الألمان ليسوا المعارضين الوحيدين للإجراءات الجديدة.

فقد أعرب تسعة أعضاء في مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي عن معارضتهم أو تحفظاتهم بشأن الإجراءات الجديدة لاجتماع 12 سبتمبر.

وكان من بينهم رؤساء البنوك المركزية لكل من النمسا وفرنسا وهولندا إلى جانب ألمانيا. كذلك تراود الشكوك خبراء مستقلين أيضاً، يحذر الخبير الاقتصادي في جامعة برنستون اشوكا مودجي، من أن تدابير البنك المركزي الأوروبي لن تلحق ضرراً ببنوك منطقة اليورو فحسب، وإنما ستكون لها عواقب وخيمة، إذا خشت الأسواق المالية من أن تضطر الحكومات المثقلة بالديون إلى إنقاذ البنوك.

من حيث المبدأ، يمكن لمحافظي البنوك المركزية والسياسيين في أوروبا التوصل إلى اتفاق يمكنه الموازنة بين السياسة النقدية والتوسع المالي.

ومن دون مثل هذا الاتفاق، فإن المخاطر تتمثل في تركيز الأسواق على خطوط التصدع في منطقة اليورو والخلافات الداخلية في البنك المركزي الأوروبي. لكن طالما ألمانيا هي المعارضة في تلك المجموعة، من الواضح أن الشكوك سوف تستمر بشأن استقرار منطقة اليورو.

* المحرر الاقتصادي في صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات