لماذا ليبيا؟

الإرهاب لا يهزم دولة.. التاريخ لن يشفع لأصحابه سيما المتحالفين مع العنف. تعددت أطراف الصراع.. وتباينت أهدافه. الواهمون يعتقدون أن ليبيا مهيأة لاستعادة نفوذهم القديم، وتناسوا أن توازنات القوى تغيرت، وأن الشعوب أعلنت الطلاق البائن من لغات مستعمريها، قاموس السياسة تكتبه الأحداث المتلاحقة، وحسابات المصالح المتدفقة.ليبيا اليوم لا تشبه ليبيا التي كانت تحت الحكم العثماني، كما أنها ليست ليبيا التي استهدفها مشروع «بيفن سينورا» في 10 مارس 1949 الذي قضى بفرض الوصاية الإيطالية على إقليم طرابلس، والوصاية البريطانية على برقة، والوصاية الفرنسية على إقليم فزان.

الزمن ليس هو ذاك الزمان. على المتصارعين سرعة الإفاقة، وعلى وكلائهم العودة إلى رشدهم. أزمة ليبيا لا تخص ليبيا وحدها، الأمن القومي العربي خط أحمر. من يحاول ضربة سيكون الرد قاسياً.

ليبيا لن تكون نقطة ارتكاز لميليشيات وتنظيمات إرهابية، وأيضاً لن تصبح محطة لأوهام «دويلات» تتوهم أن جماعة الإخوان الإرهابية من الممكن أن تعود إلى الحكم، غير أن ليبيا هي الدولة الوحيدة في شمال أفريقيا التي لم ينجح الصليبيون في احتلالها، وبالتالي فإنها لن تسمح لنفسها بأن تكون معبراً لقوى إرهابية من أجل زعزعة دول الجوار في القارة الأفريقية.

ليبيا قادمة لا محالة.. حرب الخمس سنوات ستنتهي بنصر مبين. الدولة الوطنية بكامل مؤسستها ستسحق التنظيمات وميليشيات وبقايا الإخوان الإرهابية. المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الليبي نجح في تحرير مدينة بنغازي في 5 يوليو 2017، والآن يقود هو ورجاله واحدة من أهم المعارك لتحرير العاصمة الليبية طرابلس، واستعادة الدولة الليبية الوطنية.

ربما تكون التحديات أكثر تعقيداً في معركة تحرير العاصمة سيما أن هناك دعماً وتمويلاً قوياً للتنظيمات الإرهابية، إذ يتم نقل الميليشيات عبر طائرات وسفن إلى طرابلس، وحسب حديث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لصحيفة «كورير ديلا سيرا» الإيطالية قبل زيارته لروما أخيراً، أكد «عملية الجرذان الثانية» بقوله إنه يجري الآن نقل الإرهابيين من إدلب السورية إلى طرابلس الليبية لدعم الإرهابيين، غير أن الأرقام تؤكد أنه منذ أبريل 2019 تم نقل حوالي 15 ألف إرهابي من إدلب إلى الحدود الغربية بليبيا، وأن الإرهابي عبد الحكيم بلحاج هو أحد وكلاء نقل العناصر الإرهابية بواسطة طائرات شركته التي يمتلكها، هذا بالإضافة إلى أن دويلة قطر تلعب أيضاً دوراً كبيراً في تهريب ونقل الميليشيات وتقديم جميع الدعم لهم، سيما أن تنظيم الحمدين لديه مصلحة كبرى في إطالة أمد المعركة ظناً منه أن الميليشيات من الممكن أن تنتصر، وأن تقسيم ليبيا سيعطي فرصة لعناصر الإخوان في السيطرة مرة ثانية.

غير أن الدوحة ترى في زعزعة الاستقرار الليبي بمثابة ضرب للأمن القومي العربي، مع الوضع في الاعتبار أن حسابات «تنظيم الحمدين» تنطلق من أن إشعال الأزمة في ليبيا بالتزامن مع الأوضاع الحالية في الجزائر وتونس والسودان، ربما تقوده إلى مشهد جديد ليعيدها إلى وهم ما يسمى بالربيع العربي وإعادة سيناريوهات الفوضى، والتخريب والدمار.

وسط هذه الأجواء والتحديات التي تعيشها طرابلس فالشواهد تؤكد أن الشعب الليبي بالاصطفاف خلف جيشه الوطني سينجح في استعادة العاصمة، وجميع مؤسساتها، وهذا يتطلب تحركاً قوياً عبر جامعة الدول العربية لاتخاذ مواقف صارمة وفاصلة تجاه التدخلات الخارجية للحفاظ على الأمن القومي للدول، وضرورة فتح آفاق واسعة للتعاون بين الجيش الليبي ودول الجوار في أفريقيا. فهدف الميليشيات ليس فقط السيطرة على طرابلس، بل إن جنرالات التخريب والفوضى يعتبرون ليبيا الآن هي مفتاح الدخول إلى المنطقة.

 

 

طباعة Email