الخيار متروك لطهران

كل السيناريوهات والمؤشرات تقول إن إيران ونظام الملالي يسيران نحو «الهاوية»، فلقد فاض كيل التجاوز والإجرام. حساباتهم الخاطئة تعكس حالة غرور وصلف وقصور نظر ستكون فواتيره باهظة جداً. لم يقرأوا الواقع جيداً. ضلوا الطريق وأخطأوا في قراءة التاريخ. أحلامهم وأوهامهم بالسيطرة الفارسية وتصدير الثورة الخمينية لم تناسب ظروف هذا الزمان.

توهم نظام الملالي أن الفرصة سانحة لتحقيق مخططاته وراح يهدد ويفجر ويمارس الإرهاب في الإقليم والمنطقة، لم يراجع نفسه، واتخذ من الإرهاب سلاحه الرئيسي، للتفاوض تارة، وللتهديد تارة أخرى. انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي (5 + 1) وفرض العقوبات أصابه في مقتل، ولم يصدق، وراهن على نظرية الهروب إلى الأمام. اعتقد أن أوروبا ستناصره لكن صدمته صارت أكبر. فالاعتداءات المتوالية التي قام بها في مياه الخليج وخليج عمان، ومطار نجران وأبها عبر وكلائه الحوثيين، وأيضاً اعتداؤه على شركات النفط العالمية جنوب العراق، جميعها وحدت الموقف الدولي والأوروبي ضده، ولم يعد أمامه خيار سوى الاستسلام لطاولة التفاوض ومفردات حسن الجوار التي تحث عليها القوانين الدولية المنظمة.

لن يقبل أحد استمرار السلوك الإيراني الذي يهدد ويزعزع استقرار المنطقة، وهذا ما ترجمته ردود الأفعال الدولية. فها هي الإدارة الأمريكية تتمسك بموقفها الذي ترتب على الانسحاب من الاتفاق النووي، وتواصل فرض العقوبات التي قطعاً ستكون مزيداً من تضييق الخناق على طهران بالصورة التي تنعكس اقتصادياً وسياسياً.

لم يكن ذلك بعيداً عن المتغيرات والمستجدات في المشهد الأوروبي، فبعد أن فشلت المحاولات الألمانية والفرنسية في التوصل إلى صيغة تهدئة تعيد إيران إلى رشدها، ننتظر أن هاتين الدولتين ستدخلان دائرة فرض العقوبات، سيما أن طهران أعلنت أنها سترفع درجة تخصيب اليورانيوم، وهذا يشكل مصدر إزعاج للدول الأوروبية التي كثيراً ما تمسكت بالاتفاق النووي، ولم تتوقع رد الفعل الإيراني الذي يخرق خطة العمل الشاملة.

إلى ذلك تزداد الحسابات الإيرانية تعقيداً بعد فشل الوساطات السويسرية واليابانية في خلق أجواء مناسبة لإعادة المفاوضات مرة أخرى مع الجانب الأمريكي، وهذا ما تتحمله كاملاً القيادة الإيرانية التي قررت الهجوم على سفينة يابانية في خليج عمان أثناء زيارة رئيس الوزراء الياباني إلى طهران في رسالة واضحة، أراد نظام الملالي من خلالها استعراض قوته الإرهابية وربما اعتبرها بعض المراقبين والمحللين أن طهران لا تكترث بالتفاوض أو الوساطة، وإنها قادرة على إدارة المعركة، وهذا يتعارض تماماً مع مفردات الواقع من حولها.

إذاً سقطت ورقة الرهان الدولية لدى طهران.

أما عن الورقة العربية والإقليمية، فلم يعد لنظام الملالي رصيد يستند إليه وسط الجرائم التي يرتكبها بشكل مباشر أو من خلال ميليشياته في المنطقة. فهناك توافق عربي إسلامي لردع طهران عن محاولة بسط نفوذها وتدخلها في شؤون الجوار، فقد جاءت قرارات قمم مكة الثلاث «الخليجية – العربية – الإسلامية» بمثابة صفعة قوية على وجه التهديدات الإيرانية، ورسخت ذلك تصريحات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أخيراً في حواره مع جريدة الشرق الأوسط اللندنية، والذي قال فيها بوضوح: «نؤكد أهمية مطالبنا من المجتمع الدولي باتخاذ موقف حازم أمام نظام توسعي يدعم الإرهاب، وينشر القتل والدمار على مر العقود الماضية، ليس في المنطقة فحسب بل في العالم أجمع، منتقداً توظيف طهران العوائد الاقتصادية للاتفاق النووي في دعم أعمالها العدائية في المنطقة ودعم آلة الفوضى والدمار».

إذاً كل الشواهد الدولية والعربية تؤكد حالة توافق ضد السلوك الإيراني، وأنه لم يعد أمام طهران سوى أن تعيش دولة طبيعية تتوقف عن نهجها الإرهابي، أو أنها ستواجه العاصفة وتتحمل النتائج.. الخيار متروك لطهران.

* رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

طباعة Email