أفريقيا في أرض السلام

في حدث تاريخي شهدت مدينة شرم الشيخ قبل يومين أول منتدى أفريقي لمكافحة الفساد شاركت فيه 48 دوله أفريقية و4 دول عربية في مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، ودولة الكويت والأردن بالإضافة إلى 9 منظمات دولية و200 مسؤول أفريقي.

المنتدى تزامن مع ترؤس مصر الاتحاد الأفريقي، وتطابق مع رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي تجاه قارة أفريقيا لما تمثله من أهمية بالنسبة للأمن القومي المصري والعربي وإيماناً بتعزيز العمل الأفريقي المشترك وتبادل الخبرات وتكاتف جهود الجميع في مختلف المجالات السياسية والتشريعية والقضائية والرقابية.

المنتدى الأفريقي لمكافحة الفساد جاء في توقيت مناسب للظرف السياسي القاري، وحقق نجاحات غير مسبوقة اعتبرها بعض المشاركين نموذجاً يمكن تكراره وتطبيقه في معظم الدول العربية. تباينت أوراق المنتدى لكنها اتفقت حول رسائل مهمة تستحق التوقف كثيراً، من بينها أن الحفاظ على أفريقيا هو جزء أصيل وأساسي ينعكس بالضرورة على استقرار المنطقة العربية سيما أن القارة السمراء أصبحت مستهدفة من قبل محور الشر «إيران. قطر. تركيا» الذي يسعى للتغلغل والتواجد والسيطرة من خلال السياسة والاقتصاد.

كما أن الدول الأفريقية والعربية أكدت عبر هذا المنتدى إرادتها السياسية في مكافحة الفساد، وخاصة أن أفريقيا تعد من أكثر القارات ثراءً وفقراً، فهي غنية بالثروات الطبيعية والموارد المائية التي من الممكن أن تقودها إلى مستقبل تنموي أفضل.

غير أن زخم الأفكار التي طرحها المنتدى كشف عن حالة إدراك عام لضرورة التنمية سيما أن أرقام الأمم المتحدة تؤكد أن القارة الأفريقية تخسر 148 مليار دولار سنوياً منها 50 مليار دولار سنوياً بسبب التدفقات غير الشرعية، وبالتالي فإن إيقاف هذا النزيف من الفساد سيقود قطعاً إلى رسم خريطة تنموية تحفظ استقرار دول القارة.

اللافت في الرسائل أيضاً هو ترسيخ ثقافة النزاهة والشفافية في العمل وتطبيق القانون، ونشر هذا المفهوم لدى مؤسسات جميع دول القارة والتأكيد عليه لدى شعوبها انطلاقاً من أن مواجهة الفساد، هي أهم آليات الحفاظ على مفهوم العدالة بين أبناء الدولة الواحدة.

هذا فضلاً عن أن ما تشهده القارة من تنظيمات إرهابية مثل «بوكو حرام»، و«القاعدة»، و«داعش» خلق حالة من الإيمان الكامل بأن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تكتمل من دون تنمية اقتصادية وفكرية وفقاً للخطط طويلة، وأخرى قصيرة المدى.

وهذا يتطلب إنفاقاً كبيراً على قطاعات مثل الثقافة والتعليم ربما لن يحدث ذلك في نزيف الفساد والخسائر لدى بعض دول القارة. أيضاً تتضمن نتائج المنتدى وتوصياته أن الفساد أحد المعوقات الرئيسية في طريق التقدم والتنمية المستدامة، وتحقيق التطلعات المشروعة لشعوب القارة، وتعزيز قيم الحرية والمساواة والعدالة والكرامة.

أيضاً من بين الرسائل المركزية للمنتدى هي أن مصر خلال رئاستها للاتحاد الأفريقي في العام 2019 تقوم بواجبها تجاه القارة عبر خطة استراتيجية تعمل على تنفيذها وأن مكافحة الفساد هي أحد الملفات الرئيسية على طاولة القيادة السياسية المصرية التي تعهدت منذ توليها المسؤولية بتعميق الروابط الأفريقية الأفريقية.

إلى ذلك فإن الحضور المؤثر للدول العربية وخاصة دول الخليج العربي في هذا المنتدى، إشارة قوية تؤكد اهتمام القادة العرب بمصير مشترك بينهم وبين القارة التي تحاول قوى أخرى خارجية احتلالها اقتصادياً.

أما الملاحظة التي استوقفت المشاركين من مختلف الوفود، فهي أن انعقاد منتدى بهذا الحجم بعد شهور قليلة من انعقاد القمة العربية الأوروبية بمدينة شرم الشيخ إنما هي رسالة إلى العالم بأن مصر آمنة، وأنها استعادت قوتها ومكانتها على المستوى الداخلي والخارجي كدولة محور رئيسي، وأنها تواجه الإرهاب، وفي الوقت ذاته تواصل البناء والتنمية.

* رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

 

طباعة Email