سيناريو للبيع

في كل عام ندخل دائرة الإنتاج الرمضاني، موسم مسلسلات رمضان، ونستغرب من حجم الإنفاق على هذه الصناعة، والتزاحم الكبير على موسم رمضان، وانحصار دائرة الإنتاج الفني لهذا الموسم فقط، ولكن ما بتنا نستغربه عاماً بعد عام، هو القصة التي تُحكى داخل هذه المسلسلات، كنا نعيب على قصص دراما النكد، ولكن اليوم نعيب ونستنكر دراما العنف والكره، دراما الإيحاءات غير الأخلاقية التي تدخل البيوت دون استئذان.

زمان كانت توضع قواعد على المسلسلات، ويتاح لصناع السينما تقديم محتوى أكثر انفتاحاً وسقفه عالٍ، وذلك لكون السينما لها تصنيفاتها العمرية، والشخص هو من يذهب لدور السينما لمشاهدة هذه الأفلام، ولكن المسلسلات تدخل البيوت، ولهذا وجب وضع رقابة على محتواها، والأمر لا يقتصر على مراقبتها، والتأكد من خلوها من المشاهد غير الأخلاقية، فكما لهذه المشاهد تأثير سلبي في المجتمعات، فالعنف والتعنيف أشد خطورة، خصوصاً إن كان العنف نابعاً من حب الوصول للسلطة والمال والشهرة.

وكل عام يزيد العيار، وتزيد نسبة العنف والقتل أكثر وأكثر، وحتى نكون واضحين، ونعترف أنه برغم زيادة جرعة «الأكشن»، إلا أن النكد ما زال هو، لا يتغير عليه شيء، بل على العكس، أصبح أكثر تبريراً.

أصبح رمضان شهر استعراض العضلات، عضلات الإنتاج الضخم، عضلات القتال «والمضاربة» والعصابات، وكأن هذا الأمر هو الوضع الطبيعي لمجتمعاتنا، في حين أن مجتمعاتنا تختلف كثيراً عن هذه الأفكار والقيّم التي تُعرض، تختلف تماماً عن هذه الأخلاق والبيئة التي يمثلونها، فليس بمجتمعاتنا عصابات مافيا تتحكم وتصول وتجول دون رقيب ولا حسيب، في بلداننا العربية حكومات تنفذ القانون، وليس بمجتمعاتنا بيئات منفتحة بشكل مفرط، لتسمح بهذا التشابك بالعلاقات، خصوصاً الحميمية منها، ولا يوجد بمجتمعاتنا هذا الإسفاف في عرض مشاكل الخيانة الزوجية.

إن كان صناع الدراما يهدفون لإنتاج مسلسلات للمتعة فقط، فلماذا لا يتجهون نحو الفرح، نحو الإيجابية، فتكاد تخلو الساحة من مسلسلات الضحك والفرح، مقارنة بمسلسلات النكد والإجرام، وأصبح الاستنساخ من القوالب الغربية هو الموضة الدارجة في هذه الأيام.

في حين أن الإنتاجات الغربية تقدم حكاية محبوكة بطريقة ممتعة، وذلك لكون مجتمعاتهم مبنية على هذه الأسس، ولديهم خبرات وإمكانات تستطيع جذب المشاهد، لكن ما يعرض على شاشاتنا، نراه شاذاً عن مجتمعاتنا، نراه يظلم القيم الإسلامية والعادات العربية، نراه مملاً في أحداثه المطولة «الممطوطة»، لتعبئة 30 حلقة، في حين أن الحكاية تقال في أقل من 5 حلقات.

المشكلة لم تعد بما يُعرض على الشاشة من مشاهد تمثيلية، إنما بتبني الوسط الفني لهذه الأفكار، والدفاع عنها في لقاءاتهم ومقابلاتهم، فليس من المنطق أن يعتبر الممثل نفسه على أنه بهذه الاحترافية في تقديم أدوار ساخنة، مبرراً أنها لا تضر بالمجتمع، وأنه يقدم حالة توجد في المجتمع، فصحيح أنها توجد، لكن ليس هي الصبغة العامة لنقدمها في عمل درامي، وتكون هي الحبكة الأساسية لهذا العمل.

مجتمعاتنا لم تعد في خطر من هذه العروض، إنما مجتمعاتنا في مرمى النيران، وما يُعرض اليوم على شاشاتنا، ما هو إلا تنافس لجذب المشاهدين، حتى وإن كان على حساب قيم وأخلاق ومشاعر وأحاسيس من يجلسون أمام الشاشات، دون مراعاة للتصنيفات العمرية والمجتمعية.

نتمنى أن تتغير الصورة في المواسم القادمة، ومراقبة ما يعرض من قصص وتفاصيل بعيدة كل البعد عن مجتمعاتنا، وعلى الجهات المعنية والمسؤولة، أن توافق على السيناريوهات قبل تصويرها، وانتقاء ما يلزم لمجتمعنا.

وما نواجهه من مشاكل يحتاج لتسليط الضوء عليها، لدينا قضايا نحتاج لإبرازها، وندافع عنها أمام العالم، بدلاً من تقديم قصص الانحلال الأخلاقي والبلطجة والمافيا وتجار المخدرات، ويا كُتّاب السيناريو، لا تدعوني أن أدخل على الخط، فحبكتم بسيطة، أكاد أتناولها في مقال واحد، كغيري ممن مل ركاكة هذه القصص.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات