التشدد في الدين

خرج علينا قبل أيام الدكتور عائض القرني الداعية والمفكر الإسلامي وعبر شاشة التلفزيون وأمام الملايين قدم اعتذاراً صريحاً يقر به على نفسه وعلى تيار بأكمله بأنهم أخطأوا وأوجدوا لنا صحوة أودت بنا إلى سبات عميق، الدكتور القرني ومشايخ الصحوة ورموزها حولوا حياتنا لتشدد جعلنا نتخلف ونختلف مع جميع البشر مهما كان لونهم أو عرقهم.

اعتراف القرني فيه إقرار على نفسه وعلى من كان معه في هذه المرحلة، إقراراً يستوجب منه أن يبذل الكثير والكثير ليصحح ما صنعه بمجتمعاتنا الإسلامية، وكيف حول عقول الكثيرين لمتشددين يكرهون الحياة ومن عليها، يجلسون في هذه الحياة وكأنهم في محطة قطار يتزاحمون للخروج منها مهما كان الثمن، حتى وإن كان السبيل قتل الأبرياء وترويع أمنهم، بل يعتبرونهم نفسهم في هذه الحالة ممن يدافعون عن شعائر الله.

اعتذار القرني جريء وغير مسبوق ، لكننا لم ننتظر فقط مجرد اعتذار من الكثير من المشايخ والدعاة ممن نادوا بثورات وخراب بيوت، ممن أودوا بحياة مجتمعاتنا للتهلكة، ممن جعلوا شعوبنا منغلقة على نفسها بدعوى المحافظة على الدين، هؤلاء لا يكفينا منهم اعتذار إنما يجب أن يحاسبوا على ما اقترفته أيديهم من نشر لأفكار التطرف والتحريض والعبث بمصالح الدول وتقويض أمنها وأمانها، هؤلاء ممن قبضوا ثمناً لخطبهم وسطورهم، ممن فتحت لهم المجالس وأقيمت على شرفهم الكثير من المحاضرات، ممن قالوا يوماً حي على الجهاد وتداروا خائفين على مصالحهم وأموالهم.

الصحوة وما جلبته لمجتمعاتنا كان كارثياً بكل المقاييس، فقد ضربت بعرض الحائط جميع مفاهيم الحياة وحولتها لموت في موت، حولت حب الإنسان وحلاوة روحه لحبه للخلاص من هذه الدنيا، جعلت عقول من وقعوا بشراكهم من شبابنا لا تقوى على إنتاج فكرة بحجة أن الدنيا فانية والحياة الكبرى في الآخرة، صحيح أننا لا نختلف معهم في هذا الجانب لكن ليس بالصورة التي روجوا لها.

التشديد في الدين هي التهمة الأولى التي وجهت للقرني بعد اعترافه، فمازال الكثيرون من رجالاتنا يرون أن الإفاقة من الصحوة هو السبات، في حين أنها في الحقيقة على العكس تماماً، فهؤلاء مسترزقون من نظرة الإجلال لهم، مستفيدون من نظرة المجتمع لهم ومكانتهم العالية التي حظوا بها، هؤلاء لا يريدون لعقولنا أن تعمل إلا من خلالهم، فهم يزعمون بأنهم الأفهم والأقدر على موازنة الأمور ونحن من علينا أن نتشرب من فكرهم، ويا ليتهم نادوا بالتسامح والتعايش الذي جاء به ديننا، يا ليتهم ركزوا على الأخلاق وتركوا عنهم التشدد الذي لا أصل له في تاريخنا ولا في ديننا.

الثوابت التي يتحدث عنها الكثير من الناس، ويجدون أن مثل هذه الاعترافات أو المبادرات ما هي إلا طعن في الثوابت، في حين أن الثوابت محفوظة برعاية وعناية الله عز وجل، وما يحدث اليوم من انفتاح ما هو إلا انفتاح العقول على بعضها البعض، ما هو إلا فتح الستارة وإزالة الغشاوة عن الأعين لتعيد النظر بحياتها وتجعلها أكثر إنتاجاً.

الحقيقة يجب أن تقال، هناك من يخاف من الانفتاح والتفتح، يخاف أن يشاهد فكر الآخر، تعود على الانغلاق بحجة أنه الأسلم ، وبتجربتنا المريرة مع التشدد ورفض الآخر ظهرت مشاكل مجتمعية أودت بمنطقتنا لحروب ونزاعات عدة جعلتها متخلفة لسنوات كثيرة عن شعوب العالم المتقدمة.

مجتمعاتنا اليوم بأمس الحاجة لتشريح ذاتي ونقد مفصل لتاريخنا، فلا يكفي الاعتذار ولا رؤوس الأقلام، إنما نحن بحاجة لتشريح جثة الصحوة كما سماها البعض والغوص في دهاليز دعاوى الشدة والتشدد ولنرى من أين جاؤوا بمنهجهم، من أين استقوا أفكارهم ومناهجهم ونقابلهم بذات الطريقة، فما حربنا إلا حرب أفكار نحن من علينا إعادة تشكيلها لما يخدم مصلحة شعوبنا والرقي بحياتنا.

لا عزاء للصحوة ولا لمعتنقي فكرها، فالحياة تتطلب بذل الكثير من الأمور لنعيشها بسلم وسلام، لنعيشها مفتشين عن النور؛ نور العلم والعلوم، ولنترك عنا حكاوى أساطير التاريخ ولنكتب أساطير المستقبل، ولنُشرّح واقعنا بدلاً من تشريح ماضينا ونستقي منه ما يزيد العالم احتقاناً واختناقاً، بل دعونا نفتح الستار لنتنفس هواء قادماً من الفضاء، لنلامس النجوم، لنكتشف ما هو جديد.

اعتذار الدكتور القرني لا يعفيه من العقاب على ما اقترفه بيده لا بيد عمرو، فقد كان أحد المحرضين في وقت من الأوقات وأن اعتذاره بعد أن أقر واعترف بذنبه، ونحن مازلنا في الحياة الدنيا وفي هذه الحياة نواميس لا بد من تطبيقها وأخذ المتهم باعترافه فالاعتراف سيد الأدلة والإقرار حجة على صاحبها. هذا ما تعلمناه لا أن نرفع القبعة للمتهم ونشكره على جرأته وندمه، فليندم وليقدم نفسه للمحاكمة العادلة لتقتص حقها من المذنب.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات