العلاقات الصينية الفلبينية نموذجاً

في المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده كل من الرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتي والرئيس الصيني شي جينبينغ الذي زار الفلبين مؤخرا، وافق الجانبان على ترقية العلاقات بين الصين والفلبين وتحويلها إلى تعاون استراتيجي شامل.

وتوضح هذه الرؤية، كما أشار الرئيس جينبينغ، المسار الواضح للعلاقات بين البلدين، وتعلن أنهما شريكان يسعيان لتحقيق تنمية مشتركة في المستقبل.

ولعل الأهم من ذلك هو الآثار السياسية لهذه الرؤية، وتتمثل بالعلاقات الثنائية والتعاون فيما بينهما، والتي وصفها الرئيس دوتيرتي بأنها «مزدهرة بالكامل»، مما يبعث رسالة واضحة إلى العالم: وهي أنه يمكن أن يكون هناك نمط جديد من التعاون الدبلوماسي بين الدول، يستثني عقلية الحرب الباردة ويشمل المساواة والسلام والنمو الشامل والازدهار المشترك.

والمساواة هي السمة المميزة للعلاقات التي أقامتها الصين كدولة قارية عملاقة والفلبين كدولة جزر أصغر حجماً، وهي تمثل التفكير الدبلوماسي الصيني في أنه يجب على المجتمع الدولي بناء شراكة تتعامل فيها الدول بعضها مع بعض على أساس المساواة، والانخراط في مشاورات متبادلة وتفهم القضايا المشتركة.

من المسلم به أن الشؤون الدولية غالباً ما تعطي انطباعاً بأنها تمثل مركبة مجهزة بعجلات ذات أحجام مختلفة. فالأكبر منها يميل إلى حد ما لتوجيه المركبة في أحد الاتجاهات أكثر من الآخر، ونتيجة لذلك، تتلقى الدول الكبرى مزيدًا من الاهتمام، في حين أن الدول الصغيرة لها وزن أقل.

ومن المفارقات، كما يلاحظ بعض المعلقين الغربيين: أنه حتى لو كانت كل الدول متساوية النشأة، فإن بعضها يكون أكثر إنصافاً. ومع ذلك، ازداد عدد القوى الصغيرة اليوم، كما كان لها تأثيرها على الاستقرار الإقليمي وحتى على النظام الدولي ككل. ويتمثل ذلك بشكل أكثر ارتباطاً في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي تضم في معظمها بلداناً صغيرة، تعين على الصين أن تتعامل معها بطريقة أكثر تقديراً ومساواة.

ويتم بناء علاقات بكين - مانيلا بهدف الحفاظ على السلام الإقليمي. وبقدر ما يتعلق الأمر بالسلامة الإقليمية، فقد شهدت العقود الأربعة مداً وجزراً في العلاقات بين الصين والفلبين. فقط في عام 2012، تسببت أزمة هوانغيان داو في توتر العلاقات بين الجانبين إلى حد كبير.

وبرغم ذلك، ومع إصدار البيانات، كالبيان المشترك الصادر في أكتوبر 2016 عن الصين والفلبين بشأن عمليات التنقيب المشتركة في أعماق البحار، ومذكرة التفاهم بشأن التعاون في مجال الطاقة في نوفمبر 2017، تم التوصل إلى حلول سلمية، وجرى تطبيع العلاقات الثنائية لصالح كلا البلدين.

من هذا المنظور، يمكن القول إن تطور العلاقات بين بكين ومانيلا يوضح كيف يجب على البلدان إدارة نزاعاتها بشكل صحيح.

وبشأن العلاقات الاقتصادية، بدا تحسن العلاقات الثنائية مواتياً لكلا البلدين. وبالنسبة للفلبين، وعقب تحسين العلاقات الدبلوماسية، تدفقت رؤوس الأموال الصينية الضخمة نحوها-كما تظهر بعض الإحصاءات -وأسفرت الاستثمارات الصينية في مجالات الثقافة والتكنولوجيا والقضاء والسياحة عن نتائج إيجابية.

وإذا تم تعزيز العلاقات الاقتصادية، وحققت «درجة أعلى»، فإن تنمية التجارة وعملية التنمية الفلبينية سوف تزدهر في السنوات المقبلة.

وبالنسبة للصين، فقد وفرت صادرات الفلبين لها عدداً كبيراً من المنتجات والسلع النادرة والفاكهة الاستوائية، ويجري تنفيذ عدد من مشاريع الإعمار التعاونية في الصين.

ووفقاً لبعض التقارير، فإنه بعد رفع الحظر على صادرات الموز والأناناس من الفلبين، تدرس الصين حتى خطة للسماح بتعيين موظفات فلبينيات في خمس مدن كبيرة، بما في ذلك بكين وشانغهاي وشيامن.

وبما أن دوتيرتي ملتزم الآن بتعميق التعاون بفضل مبادرة الحزام والطريق التي اقترحتها الصين، فهناك أسباب تدعو إلى الاعتقاد بأن العلاقات الاقتصادية سوف تتقارب بين الدولتين. ومع تنامي العلاقات الثنائية ووصولها إلى الذروة، تمكنت الصين والفلبين من إذابة الجليد عن العلاقات التي كانت فاترة في يوم من الأيام، وأعادتها إلى المسار الصحيح.

وتتضمن علاقات الصين-الفلبين عناصر إيجابية متعددة، تتراوح بين التسوية السلمية والازدهار المشترك والنمو الشامل. يجب دراسة هذه العلاقات وتلخيصها لأنها تمثل نموذجًا جديدًا للدول الأخرى لتخطيط مسارها الدبلوماسي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات