القمة.. قمة الاستقرار

اختتمت القمة العربية أعمالها في تونس مؤكدة ضرورة منع التدخلات الخارجية في الشؤون العربية، وقطع دابر الإرهاب والإرهابيين وعملياتهم الإجرامية، ووجوب الامتثال للسبل القانونية والمواثيق الدولية لحفظ حقوق دولنا العربية في أراضيها المحتلة وعلى رأسها قضية الجولان السوري والجزر الإماراتية الثلاث، ومما لا شك فيه التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على حدود عام 1967.

ومن يتابع أحداث وإحداثيات القمة الأخيرة سيجد أن الاستقرار هو الشغل الشاغل للعديد من أنظمتنا العربية، خصوصاً أن المرحلة الحالية تتطلب المزيد من الاستقرار؛ الاستقرار ثم الاستقرار ثم الاستقرار.

الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني هو كل ما يلزمنا في الفترة المقبلة، فبعد أن دخلت منطقتنا العربية في صراعات كثيرة مع الجماعات الإرهابية، ومراحل من الشد والجذب بين القوى السياسية والشعبية، مما أدى لحالة من عدم الاستقرار والاتزان في العديد من الدول وتعطيل وتأخير مسيرة التقدم والازدهار، بل عملت هذه الأحداث على إرجاع دولنا إلى الوراء عشرات السنين، وكل ما نطلبه في الوقت الحالي التأكيد على ضرورة بث حالة الاستقرار في منطقتنا على جميع الأصعدة، لمحاولة اللحاق بركب التطور والنهوض بشعوبنا إلى الأفضل.

بعد أي حالة من التزعزع وانعدام الاستقرار لا بد من البحث عن إرساء حالة الثبات والاستقرار لمعالجة ما خلفته المرحلة السابقة، وهذا ما تعمل على إيجاده أنظمتنا العربية وعلى رأس هذه الجهود؛ جهود المملكة العربية السعودية وسعيها في جميع الاتجاهات لإيجاد بيئة الاستقرار لشعوبنا العربية، ودعم القضايا التي من شأنها الوصول بدولنا لحالة تستطيع فيها النهوض من مستنقع الخلافات وبناء، مستقبل أفضل مما نحن عليه الآن.

إن الدور السعودي في هذا الجانب دور محوري، وجهود القيادة السعودية في هذا الملف جهود مشكورة واستثنائية، فدولنا العربية بحاجة لدولة قائدة تقودها نحو الأمام، تقود شعوبنا إلى تحقيق الاستقرار في جميع الأصعدة، تقود الأنظمة للخروج من أزماتها ومواطن الخلل في ظروفها المحيطة .

والتي أدت إلى تدهور الأوضاع وهذا ما تقودنا إليه السعودية، فتارة نجد السعودية تبحث ملف سوريا لتخفف العبء عن الشعب السوري جراء حالة الفوضى التي عاشها خلال السنوات المظلمة الماضية، وتارة نجدها تجاهد في حل القضية الفلسطينية والتأكيد على وجوب أن ينعم الفلسطينيون بحالة الاستقرار بإيجاد دولتهم، وتارة نجدها تساهم في دعم استقرار لبنان والأردن، كل هذا بخلاف ما تقوم به وبمشاركة دولتنا دولة الإمارات في الحرب على أعداء الشرعية في اليمن وإعادة اليمن للحضن العربي وتخليصه من شرور الحوثيين.

الاستقرار هو الخلطة المناسبة للمرحلة القادمة، وهذا ما على أنظمتنا العربية أن تعده في مطبخها السياسي، فهذا الأمر سينعكس إيجاباً على جميع الأصعدة، فلا يوجد تحسن في الاقتصاد الوطني وتحسين دخل الفرد دون وجود الاستقرار، فالجهود التي تُبذل والأموال التي تُصرف في مواجهة التطرف والإرهاب والإرهابيين والمخربين والداعين للخراب لو تم تخصيصها لتحسين حياة شعوبنا لكنا في أفضل حال، ولكن هناك من له مصالح في أن تبقى حالة عدم الاستقرار مرافقة لمنطقتنا، وهناك من لهم مصالح في دعم الإرهاب لتنفيذ أجنداتهم الظلامية، ومطبخنا السياسي العربي أصبح غنياً بتجارب مواجهة أعداء الاستقرار.

وهذا ما على شعوبنا أن تدعمه وتسانده وتثق به في جميع مراحله القادمة وذلك لإعادة إيجاد الثقة بين المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال ودولنا، فحالة عدم الاستقرار منفرة للاستثمار والمستثمرين ورأس المال جبان لا يضع استثماراته وضخ أمواله إلا في أماكن الاستقرار التي يتوقع أن بها ستزيد أمواله وشركاته، وهذا ما نريده لتوفير فرص العمل وزيادة الناتج الاقتصادي لدولنا العربية.

المطالبات الشعبية بضرورة تحسين الأوضاع العامة لدولنا مطلب مشروع وحق أصيل من حقوق أي فرد لكن لا بد لشعوبنا أن تعي أن الخروج من الوحل لا ينتهي بمرحلة الخروج فقط، إنما يتطلب مراحل طويلة لتنظيف ما علق بنا من شوائب دخيلة على مجتمعاتنا وأنظمتنا وسياساتنا، وصحيح أن هذه المرحلة نتائجها غير ملموسة بشكل واضح وصريح.

إلا أنها الأساس الذي ستقوم على رواسيه جميع المراحل القادمة، ومهما كانت الجهود المبذولة في تحسين حياة الفرد في وطننا العربي إلا أن الواقع يفرض نفسه في إبطاء الوصول لهذا الهدف فعلى شعوبنا الصبر ودعم أي مبادرة أو سياسة من شأنها المحافظة على الاستقرار، والالتفاف نحو السعودية وأشقائها من الدول العربية وعلى رأسها دولتنا دولة الإمارات، لمصلحة شعوبنا واستقرار مجتمعاتنا، والبعد كل البعد عن التحزبات الرامية لخراب أمتنا.

نبارك لأمتنا العربية ولدولنا الإعلان الرسمي بالانتهاء من داعش ودحر تنظيمه والخلاص من شروره، الأمر الذي سيزيد ويحسن حالة الاستقرار الأمني في منطقتنا، وكل ما علينا في المرحلة القادمة المحافظة على السلم المجتمعي والتسامح مع الأحداث الماضية والتوجه لبناء مستقبل يليق بشعوبنا وأجيالنا القادمة، ونأمل كل الأمل أن نبارك في القمة القادمة الخلاص من الحوثيين في اليمن، وقطع دابر التدخلات الخارجية في شؤوننا العربية.

* كاتب وإعلامي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات