حكمة «بو راشد» والعمل بروح الفريق

لا أعتبره منتدى للصحافة العربية فقط، بل أراه قمة صحفية وإعلامية تضم أجيالاً مختلفة لمهنة واحدة من مختلف العالم العربي.

منتدى دبي للصحافة العربية واحد من الأحداث والفعاليات التي تؤكد أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، رجل دائماً في مهمة وطنية وفكرية وثقافية، ففي هذه الدورة الثامنة عشرة من عمر جائزة الصحافة العربية كان النجاح حليفها من حيث الشكل والمضمون، حدث عملاق تقف خلفه كتيبة في مهمة نجاح.

كانت لي ملاحظات دونتها خلال مشاركتي في هذا المنتدى العظيم على مدار يومي الأربعاء والخميس الماضيين، في مقدمتها ما يلي:

أن المؤلَّف التاريخي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد «قصتي.. خمسون قصة في خمسين عاماً» لاقى إقبالاً كبيراً جداً من جميع المشاركين الذين حرصوا على اقتنائه لما تضمنه هذا المؤلَّف من حقائق وأسرار وتجارب شخصية يكتبها سموه للمرة الأولى، ويعكس مضمونها موهبة عميقة للمؤلف واضحة في رشاقة الجمل وسلاسة العرض وحكمة الحكي، وقوة الاحتفاظ بالأسرار وقدرة وشجاعة البوح بها، والمزج بين السياسة والأدب والثقافة والعبر والنصائح والمعاني التي وصل إليها الكاتب من خلاصة تجاربه.

اللافت أن هذا الكتاب «قصتي» كان مثار الحديث والدردشة في التجمعات المسائية بين أقلام من مختلف الأعمار والدول، لكن الخيط المشترك لجميع النقاشات هو أن هذا العمل عظيم لرجل جاد وصاحب قلم جاد.

أيضاً حرص سموه على الوجود منذ الساعات الأولى للمنتدى ومصافحة الجميع من مختلف الوجوه العربية هو رسالة قوية تركت أثراً طيباً في نفوس الجميع، ورسالة تؤكد حرص هذا الرجل على ترسيخ وتعميق الروابط العربية - العربية، وتعكس تواضعاً جماً لهذا الرجل الذي يدخل القلوب دائماً بلا استئذان ويسكن فيها بروح المحبة والتسامح التي تدفعك دائماً إلى مستقبل مشرق مليء بالأمل والتفاؤل.

إذاً نحن أمام حاكم استطاع أن يجعل من دبي وجهة للانضباط والرقي والالتزام والنموذج الذي يسعى الجميع إلى محاكاته.

كما أن حرص سموه على تقديم كل الدعم لهذا المنتدى أسهم بشكل كبير في مد جسور راسخة بينه وبين شباب العرب من الصحفيين والإعلاميين الفائزين بجوائز ذات قيمة معنوية ومهنية في المقام الأول، ناهيك عن قيمتها المالية الكبيرة في الوقت ذاته.

اللافت أيضاً أن المنتدى وسط جلساته المكثفة لم يغفل التنبيه لما يحدث في منطقتنا ولما يحاك لنا من تحديات، سيما الإرهاب اللعين، فقد قدّمت المطربة التونسية المتميزة لطيفة في حفل تسليم الجوائز قصيدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، ضد الإرهاب، كلماتها عميقة وواضحة وقاطعة لهؤلاء الذين يتاجرون بالدين وليس لهم أديان، نعم قصيدة حديثة رائعة تؤكد أن سموه مهموم بهذه القضية التي عبّر عنها بصدق ووصلت إلى الناس بكل صدق.

الشيء الذي يستحق التوقف والإشادة أيضاً هو المجهود العظيم والدقيق الذي تقوده مني المري المدير العام للمكتب الإعلامي لحكومة دبي، مع كتيبة من فرسان النجاح الذين يقفون خلف هذا العمل غير المسبوق من قوة وتنظيم ودقة بالغة منذ البداية وحتى النهاية.

أما القضية التي كانت حاضرة في الأحاديث التي تناولها ضيوف المنتدى فهي قضية الإعلام المسيء الذي تقوده دويلة قطر ويتزعمه تنظيم الحمدين، ويهدف إلى التخريب واستعادة ما يسمى بالربيع العربي، وتغذية التنظيمات الإرهابية، وهزّ الدول الوطنية، والترويج لخدمة أجندة التنظيم الدولي للإخوان، فقد كانت هذه القضية حاضرة بقوة في النقاشات التي توقعت انهيار هذه المنصات الوهمية التي تبثّ سمومها وأكاذيبها في وقت قريب جداً انطلاقاً من نظرية ما بُني على باطل فهو باطل.

أما الملحوظة التي تقف بنا أمام حقيقة وواقع المستقبل الصحفي والإعلامي فهي ما شاهدته بعيني من تطورات تكنولوجية في عالم الذكاء الاصطناعي عبر صحف ومواقع تقوم بالبث المباشر على الهواء، من بينها مثلاً موقع صحيفة البيان بقيادة رئيسة تحريرها المسؤولة اللامعة والمتميزة منى بو سمرة، فقد فازت الصحيفة بواحدة من أهم الجوائز في صناعة الصحافة والإعلام، وهي جائزة صحافة الذكاء الاصطناعي، وهذه ملاحظة يجب التوقف عندها كثيراً، فمن يريد أن يلحق بسباق صحافة المستقبل عليه أن يقتحم هذا العالم المتجدد ليصبح جزءاً منها قبل أن يفوته قطار هذه الصناعة.

الملاحظة الأخرى أن معظم المشاركين في المنتدى هم من جيل الشباب الذي يمتلك مقومات وأدوات عصرية يسبق بأفكاره تفاصيل الحاضر، فضلاً عن أن الحرص على تمثيل هذه الشريحة من الشباب بشكل قوي يدل في الحقيقة على أن فلسفة المنتدى تحكمها رؤية بعيدة المدى، وبالتالي فإن فكرة هذا المنتدى ستكون عابرة للأجيال، جيل يتسلم من جيل.

وسيظل ملتقى للعروبة وتقارب الرؤى بفضل توجيهات ومبادرات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وكتيبة المهام الشاقة التي سيذكر التاريخ أنها تصنع منتدى يحترم الكلمة سواء المكتوبة أو المرئية أو المسموعة في لحظة صارت فيها الكلمة مثل الرصاصة عندما تخرج لا تعود.

كل التحية والتقدير لهؤلاء الذين وقفوا خلف هذا العمل العظيم.

* رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات