قبل اختطاف العراق

ثمة مخاوف تلوح في الأفق العراقي. مطامع فارسية وأخرى عثمانية، كل منهما يستدعي التاريخ في عجل، السيطرة على بغداد من جديد حلم لمن يريد أن يبسط نفوذه على الإقليم.

الأيام الماضية شهدنا زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني ووفداً مرافقاً له في زيارة استغرقت ثلاثة أيام، الزيارة في شكلها تعطي انطباعات التعاون والشراكة، وفي عمقها تحمل معاني أخرى تتعلق بفرض النفوذ والهيمنة، وتحقيق المشروع الإيراني، فليس خافياً على أحد أن حلم الملالي يهدف للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، ويضع ضمن حساباته أن العراق هي البوابة الرئيسية لتحقيق هذا الحلم لينطلق منه إلى سوريا ولبنان، هذا فضلاً عن أن إيران تخطط إلى توسع نفوذها الاقتصادي في السوق العراقي وتحقيق مصالحها في المقام الأول، أما الرسالة التي تستحق التوقف في هذه الزيارة فهي من المؤكد مغازلة جريئة وواضحة للالتفاف حول العقوبات الأمريكية، لاسيما أن هذا التوقيت يشهد انسداداً خطيراً في مستقبل الاقتصاد الإيراني بعد العقوبات الأمريكية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتاريخ 4 نوفمبر الماضي، والتي تضمنت فرض عقوبات صارمة على صادرات إيران من النفط والبتروكيماويات إلى الخارج، الأمر الذي أربك حسابات الرئيس الإيراني، والحرس الثوري وباتت الصورة الذهنية للحكم الإيراني مهددة داخل شارع الملالي الذي هو بالأساس يعاني من مشاكل اقتصادية ضارية تسببت قبل عدة شهور في مظاهرات خرجت إلى الشوارع، وذلك على خلفية الانهيار الاقتصادي، وتراجع العملة الإيرانية، الأمر الذي قاد إيران إلى العودة مرة ثانية إلى بغداد كورقة أخيرة لفتح آفاق جديدة وإعادة تصدير منتجاتها خاصة النفط والغاز عبر الشركات العراقية.

الأمر لا يتوقف عند البعد الاقتصادي والالتفاف حول العقوبات الأمريكية فقط بل إن الصندوق الفارسي يحوي الكثير من المؤامرات والأهداف السوداء منها أن إيران تحاول خلق جيل عراقي جديد من الإرهابيين ليصبحوا بمثابة وكلاء لها في المناطق التي يحلمون بالسيطرة عليها مثلما هو الحال في سوريا ولبنان واليمن.

هذا فضلاً عن أن روحاني يريد أن يبعث برسالة أنه ليس معزولاً وأنه قادر على احتواء دول بأكملها والعراق في وجهة نظره نموذجاً، وأنه قادر على تكرار هذه الجولات في عواصم أخرى.

إذاً جولات «السم» الإيراني تحاول اختطاف العراق قبل أن تعود إلى حضن العالم العربي.

يتزامن مع خطر اختطاف العراق ما يخطط له الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من زيارة قريبة إلى بغداد حاملاً أجندة توسعية عثمانية، ويبرر ذلك أمام نفسه بأنه بالفعل يحتل مناطق مثل معسكر بعشيقة شمال الموصل، وبالتالي هو يرى أنه من الممكن أن يتوسع في هذا النفوذ، ويكون هو أيضاً صاحب قرار سياسي واقتصادي في بغداد لا سيما أنه يعلم تماماً فشل وكلائه الدواعش في السيطرة على العراق بعد طردهم من المدن العراقية وآخرها الموصل.

تلك المعطيات تضعنا أمام مشهد يستحق التوقف والتحرك الجماعي العربي بأقصى سرعة للحفاظ على هوية العراق كبلد عربي له تاريخ، ومكانة خاصة في عقل وقلب كل العرب، وهذا يتطلب من زعماء وقادة العالم العربي دق جرس إنذار للحفاظ على العراق من خلال القمة العربية التي تعقد في تونس نهاية شهر مارس الجاري.

* رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات