فساد نتنياهو وتكسير عظام الفلسطينيين

تحولات درامية وسريعة تشهدها الساحة الإسرائيلية الآن، فبعد أن كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يرفض الانتخابات المبكرة، بعد أن استقال حليفه السابق ليبرمان من الحكومة، وحاول نتنياهو آنذاك إنقاذ الموقف أكثر من مرة، إلا أنه بعد ذلك تراجع عن موقفه السابق، ودعا إلى انتخابات مبكرة، مستغلاً في ذلك ضعف الأحزاب المنافسة وتشتتها، إلا أنه تلقى ضربة قاصمة خلال الأسبوع الماضي، بعد أن أعلن المدعى العام الإسرائيلي، أنه يعتزم توجيه اتهامات تتعلق بالفساد لرئيس الوزراء في ثلاث قضايا، تشمل اتهامات بالرشوة، والاحتيال، وخيانة الأمانة.

هذه الاتهامات، أسهمت في تحويل السباق الانتخابي في إسرائيل إلى منافسة حقيقية، بعدما كانت تظهر استطلاعات الرأي تقدم حزب الليكود وتحالفه بنسبة كبيرة، وتشكيل ائتلاف يميني حاكم عقب إجراء الانتخابات، إلا أن الموازين تغيرت الآن، وربما يتكرر سيناريو هيلارى كلينتون وترامب، حينما كانت هيلارى مرشحة للفوز بقوة في الانتخابات الأمريكية على منافسها دونالد ترامب، إلا أن أزمة بريدها الإلكتروني التي فجرها المفتش العام هناك، هذا السيناريو ربما يتكرر في إسرائيل، لمصلحة منافس نتنياهو القوى في الانتخابات «بيني غانتس» رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، وتحالفه مع كتلة يسار الوسط، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن كتلة يسار الوسط، قد تفوز بنحو 61 مقعداً، مقابل 59 مقعداً لكتلة اليمين بزعامة نتنياهو، وفى تلك الحالة، لن يستطيع نتنياهو تشكيل ائتلاف حكومي، بسبب تراجع معسكر اليمين ككل.

لكن ليس معنى ذلك حسم الانتخابات لمصلحة يسار الوسط، فلا تزال المعركة طويلة وممتدة، ونتنياهو ليس ملزماً بتقديم استقالته، إلا إذا أدين، واستنفدت جميع درجات التقاضي، وهو الأمر الذي ربما يستغرق شهوراً، وربما أكثر من ذلك.

على طريقة صديقه ترامب، بدأ نتنياهو خطة الهجوم المضاد، حيث انتقد إعلان المدعي العام بلهجة تحدٍ واضحة، وانتقد إجراء التحقيقات، باعتبارها حملة مغرضة ضده، أعدها خصومه اليساريون للإطاحة بحكومته اليمينية، متعهداً بإظهار براءته من التهم التي وصفها بالخسيسة، مشيراً إلى أنه لا يوجد تفسير لتوقيت إعلان التهم، سوى أنها جزء من ثأر سياسي للإطاحة بحكومة اليمين، ووضع حكومة اليسار مكانها، متهماً وسائل الإعلام واليساريين بتدبير الحملة ضده، مستغلاً في ذلك إعجاب قطاع كبير من الإسرائيليين بطريقته في الحكم، وخبرته الممتدة لسنوات طويلة، ونجاحه في تقوية الاقتصاد الإسرائيلي، وعلاقته المتميزة بالرئيس الأمريكي ترامب، ما أدى إلى اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، في إجراء صادم للفلسطينيين والعرب جميعاً، بما يؤكد مكانة ونفوذ نتنياهو لدى السلطات الأمريكية والرئيس الأمريكي.

نتنياهو لن يتورع عن استخدام كل الأساليب خلال المرحلة المتبقية، قبيل إجراء الانتخابات، بما فيها تكسير «عظام» الفلسطينيين، وضربهم ومحاصرتهم والاعتداء عليهم، ليؤكد أنه صمام الأمان للإسرائيليين، وللتغطية على الاتهامات التي تلاحقه بالفساد، وقد بدأ السيناريو المتوقع يوم الخميس الماضي، حينما صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي من اعتداءاتها ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، ما أسفر عن سقوط ضحايا ومصابين واعتقال 12 مواطناً وهدم منزلين.

المشكلة أن الفصائل الفلسطينية المتصارعة، هي التي تعطي الفرصة لنتنياهو وغيره للتلاعب بهم، وإشعال نيران الفتنة في ما بينهم، فليست هناك رغبة جادة في إجراء مصالحة حقيقية، وللأسف، فإن كل الفصائل تتحدث عن المصالحة، وكأنها واجب مقدس، لكنها في الخفاء تعمل ضد المصالحة تماماً، متمسكين بأوهام نفوذ زائف، وسلطة وهمية تحت جبروت الاحتلال، رغم إدراك جميع الفصائل حجم الأزمة التي تواجهها القضية الفلسطينية، ووصولها إلى طريق مسدود، نتيجة تعنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وانحياز أمريكا الأعمى إلى إسرائيل، ورغبة ترامب الجامحة في تمرير صفقة القرن التي تنهي ما تبقى من أشلاء الدولة الفلسطينية.

هذه التحديات الخطيرة، كافية لأن تكون جرس إنذار قوياً لإفاقة الفصائل، ووضع حد للانشقاقات والانقسامات في ما بينهم، بعيداً عن «حلو الكلام» الذي يصدر في البيانات أو في شكل تصريحات مرحبة بالمصالحة، ومؤكدة لها، لكنها تعمل ضدها في الخفاء.

هناك حالة من الاحتقان المتصاعد بين «فتح» و«حماس»، رغم كل الجهود المبذولة للتوفيق بينهما، بحثاً عن مصالحة، ربما لا يريدها الطرفان بشكل حقيقي، لدرجة جعلت الشعب الفلسطيني والشعوب العربية تمل من أخبار المصالحة، نتيجة عدم جدية الأطراف الفلسطينية في إتمامها، فلا يزال هناك كيانان ودولتان، واحدة في الضفة وأخرى في غزة، رغم أنه من المفترض أن هناك كياناً واحداً، هو كيان السلطة الشرعية في الضفة، وبالضرورة، لا بد أن تتبع غزة هذا الكيان الشرعي، من أجل لم شمل الفلسطينيين خلف قيادتهم الحالية، المتمثلة في رئيسهم محمود عباس، والاتفاق على آليات محددة لإجراء الانتخابات التشريعية أولاً، ثم الرئاسية بعدها، لتأكيد وحدة الفلسطينيين أمام العالم، وتأكيد رغبتهم الجادة في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وقيام دولتهم المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، طبقاً لمقررات الشرعية الدولية.

إذا كان نتنياهو سيستغل الانتخابات الإسرائيلية أسوأ استغلال ممكن لإنقاذ نفسه وشعبيته على حساب الفلسطينيين وقضيتهم، فإن الأطراف الفلسطينية مطالبة هي الأخرى بوحدة الصف بشكل حقيقي، بعيداً عن الكلام المكرر والمعاد، والنيات الطيبة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، لحقن دماء الشعب الفلسطيني، وتحقيق وحدتهم، استعداداً لمواجهة سيناريوهات ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، سواء فاز نتنياهو أم غريمه بيني غانتس، لأنه في كل الأحوال، لن يكون أحدهما أفضل من الآخر، إلا إذا كان هناك شعب فلسطيني موحد خلف قيادة موحدة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات