لماذا يحافظ الاستثمار النشط على أفضليته؟

انتشرت مؤخراً عبارات التعازي والمواساة بحق جاك بوجل مؤسس مجموعة «فانغارد» الاستثمارية، الذي توفي في فبراير الماضي، وتناسب تلك العبارات من يرحل عن عالمنا بطبيعة الحال ولكنها كانت مبرّرة تماماً في حالة جاك، حيث أعادت مساهمات هذا المستثمر العالمي الشهير تعريف صناعة الاستثمار بالكامل، فقد كان الراحل بالنسبة لصناعة الاستثمار بمثابة هنري فورد لصناعة السيارات وستيف جوبز للتكنولوجيا.

ومهّد عمل جاك بوجل في صناديق تتبّع المؤشرات في السبعينيات الطريق أمام بروز صناديق المؤشرات المتداولة ETF في التسعينيات، والتي أدّت إلى زيادة حجم الأصول في محافظ الاستثمار الخامل (الذي يقوم على تتبع المؤشرات المرجعية ويكون عادة طويل الأجل) بمقدار 5 أضعاف، وذلك في أعقاب الأزمة المالية العالمية. وقد جاء هذا النمو على حساب مديري الاستثمارات النشطة مع توقّع استمرار هذا الاتجاه، لذا، قد يبدو غريباً أن يقوم مسؤول في شركة إدارة صناديق استثمارات نشطة تقليدية، مثلي، أن يُثني على جاك كثيراً، لكن إذا عُرف السبب بَطُل العجب.

حالة الجدل في أوساط المستثمرين بين مؤيد ومعارض للاستثمار الخامل هي شكلية في الواقع، فالاستثمار الخامل له مزاياه الواضحة: فعمولته منخفضة، ويضمن للمستثمر نفس عوائد المؤشر الذي تتبعه المحفظة الاستثمارية، والتي لن يتفوق أداؤها على المؤشر ولكنها لن تحقق أداء أقل بكثير في المقابل، علاوة على أن المستثمر لن يدفع أي مبالغ إضافية في كلتا الحالتين.

لقد حصلت استراتيجيات الاستثمار الخامل على ظروف مواتية خلال سوق صاعد استمر لعشر سنوات شهدت معظم مؤشرات الأسهم الرئيسية خلالها أداء جيداً. وهذا، بالطبع، يعني أن الاستثمار الخامل حقق أداء جيداً كذلك، لكن في الأشهر الأخيرة، شهدنا إشارات تدل على اقتراب نهاية ذلك السوق الصاعد حيث ارتفعت معدلات التذبذب، كما أن هناك مؤشرات على وجود تباطؤ في الاقتصاد العالمي، وهو ما يضطر المستثمرين للنظر في إمكانية حدوث منحى تنازلي لفترة مطولة في الأسواق.

وهذا هو الوقت الذي يجب أن ندرك فيه أن الهدف من نهج الاستثمار الخامل لم يكن بالضرورة علاجاً ناجعاً لجميع أحوال السوق. ولن يستطيع ذلك النهج تفادي تأثير انكماش السوق بشكل كامل وفيه ضعف متأصل. ومن خلال مطابقة تقييمات المؤشر- أي شراء الأسهم التي حققت أداء جيداً وبيع تلك التي لم تحقق- فإن استراتيجية الاستثمار الخامل القائمة على أساس «تشتري بأسعار مرتفعة وتبيع بأسعار منخفضة» هي عكس حكمة الاستثمار التقليدية تماماً.

وبهذه الطريقة، تخلق استراتيجيات الاستثمار الخامل زخماً في السوق. وحين تعود الأسهم إلى سعر شرائها الأصلي بعد كل شهر أو ربع، يتم شراء المزيد من الأسهم الأكثر ارتفاعاً، وهذا بدوره يدفع أسعار تلك الأسهم نحو المزيد من الارتفاع. وهو ما يزيد من مخاطر حدوث فقاعة في أسعار الأسهم، ويعني ذلك أيضاً أن استراتيجيات الاستثمار الخامل تميل إلى دعم الشركات الراسخة التي قد تكون أسعار أسهمها وصلت بالفعل إلى ذروتها.

وعلى سبيل المثال، قد يزيد مدير الاستثمار النشط في محفظته حصة أسهم شركة «أمازون» حين انضمت لمؤشر «إس أند بي 500» في عام 2015، وهذا أفضل بكثير من القيام بذلك حين ارتفعت القيمة السوقية للشركة بشكل مؤقت لأكثر من 1 تريليون دولار في سبتمبر الماضي، لكن الاستثمار الخامل لا يمكنه أبداً الاستفادة من تلك الفرص.

في المقابل، يتمتع المديرون النشيطون بحرّية البحث عن أسهم الشركات ذات القيمة السوقية المنخفضة، والتي تمتلك في الوقت نفسه إمكانات نمو هائلة، أو الأسهم التي يتم تداولها بأقل بكثير من قيمتها الحقيقية لأن انتباه السوق ربما في مكان آخر. كما يمكن للمستثمرين النشيطين التحول بسرعة إلى القطاعات والأسهم الدفاعية في حال تراجع السوق.

كذلك، يفترض مديرو الاستثمار الخامل أن الأسواق تتسم بالكفاءة أي أنها تتفاعل بشكل يتناسب مع معلومات الشركات بمجرد توفرها، لكن ذلك ليس صحيحاً دائماً. وعلى وجه الخصوص، فإن البحث عن الشركات الأصغر حجماً في جميع أنحاء العالم والأسواق الناشئة عادة ما تكون ناقصة وغير مفهومة، فقد يكون الاستثمار في تلك الشركات مدفوعاً بحماسة المستثمرين ممّن يميلون إلى دعم الإشاعات بدلاً من الأساسيات، فالأسواق المتطورة تخضع في كثير من الأحيان لسلوكيات متحيزّة، ليقوم الاستثمار الخامل فقط باستنساخ تلك العيوب.

ومن المسائل المهمّة كذلك أن يحدّد المستثمر أهدافه بوضوح، فإذا كان هدف الاستثمار هو استنساخ عائدات المؤشر فحسب، فإن الاستثمار الخامل هو الأداة المثالية، لكن في كثير من الأحيان، يسعى المستثمرون إلى نتائج مختلفة كلياً قد تشمل الحفاظ على رأس المال أو تحقيق دخل ثابت أو الاستثمار المسؤول اجتماعياً. وفي جميع تلك الحالات، توفّر الإدارة النشطة للاستثمار مزايا كبيرة، أو حتى ساحقة، بالمقارنة مع الاستثمار الخامل.

وفي هذا السياق، فمن المهّم كذلك أن يقوم مدير الاستثمار بدور الوصاية، خصوصاً مع قلق المستثمرين المتزايد حيال مصير أموالهم. ويعني زيادة تركيزهم على الاستثمار المسؤول (ESG) أن هناك مشاكل واضحة في مسألة تخصيص استثماراتهم بشكل تلقائي وفقاً لمعايير القيمة السوقية فقط. وتقييم أسهم أي شركة على أنها «مسؤولة» هو أمر يتطلّب الوقت والالتزام والتفاعل. إن إحداث تغيير إيجابي في الشركات هو عملية بطيئة ومُضنية وتتطلب مشاركة إنسانية نشطة.

وبالطبع فإن ما سبق ذكره لا ينتقص شيئاً من إنجازات جاك، فدخول الأسواق بتكاليف منخفضة هو أمر جيد. وربما أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من نهوض الاستثمار الخامل هو أنه في الواقع لا يوجد مكان في السوق للمديرين غير الناشطين، علاوة على استبعاد المديرين الذين يتشبثون بالمؤشرات، ومن شأن ذلك تحسين بيئة النظام المالي،

لكن الإدارة النشطة للاستثمارات سيكون لها دائماً مكانها في محفظة استثمارية متوازنة. وينطبق ذلك حتى إن كانت تلك المحفظة تتكّون بالكامل من استثمارات خاملة، وذلك لأن تحديد مقدار التخصيص لكل فئة أصول أو سوق هو في حد ذاته مثال للإدارة النشطة، وغالباً ما تكون صناديق المؤشرات المتداولة هي الركائز المستخدمة لبناء استراتيجية نشطة متعددة الأصول.

وفي المحصّلة، توجد هناك حالة تعايش بين الاستثمارات النشطة والخاملة، فالاستراتيجيات الخاملة لا يمكن أن توجد بدون تخصيصات نشطة تمكّن الأولى من استنساخها. وفي الوقت نفسه، تفيد الاستراتيجيات الخاملة المديرين النشيطين وعملاءهم من خلال إجبارهم على تقديم شيء مميز. وهذا التعايش أمر يجب أن يقدره جميع المستثمرين لا سيما في الوقت الذي تتضّح فيه مخاطر النهج الخامل البحت.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات