تحقيق الاستدامة على الأرض يعتمد على استكشافنا للفضاء

يواجه عالمنا اليوم تحديات بيئية متزايدة، فمع ارتفاع منسوب البحار ودرجات الحرارة في المحيطات والتصحر ونقص الموارد، يواجه كوكبنا تهديدات مختلفة غير مسبوقة، ويتعين علينا الآن أكثر من أي وقت مضى، استخدام جميع الوسائل المتاحة تحت متناولنا لتطوير ممارسة مستدامة متطورة على الأرض بالتوازي مع تعزيز الممارسات القائمة.

قد يتساءل بعضنا ما الذي يدفع بـ «وكالة فضاء»، ينصب تركيزها على تعزيز معرفة البشر بالكون الذي يحيط بنا، وتصميم أقمار اصطناعية أو مسبارات قادرة على الصمود أمام الظروف القاسية ما وراء كوكبنا، إلى إيلاء الاهتمام بحماية البيئة.

ومع ذلك، أود أن أقول: إن كل واحد منا لديه دور يلعبه في ضمان مستقبل الأرض. ويمكن لقطاعات كاملة، بعضها يبدو غير مرتبط ظاهرياً بالاستدامة والحماية البيئية، تقديم حلول عالمية، وليس لدي شك في أن الفضاء هو أحد القطاعات تلك.

لذا، كيف يمكن أن تقود وكالة فضاء تكرس عملها لدراسة النجوم واستكشاف ما يقع وراء هذا الخط الهش لغلافنا الجوي، جهود الكوكب في الحفاظ على الذات؟

ويتمثل الفارق الأكبر الذي يمكن إجراؤه، سواء على المستوى الفردي أو العالمي، في تحسين كفاءة طريقة استخدامنا للموارد. من خلال تقليص كمية استهلاكنا، نقلص صافي نفاياتنا وانبعاثاتنا، ونكون في سياق ذاته قد تعلمنا الكثير من استكشاف الفضاء واستخداماته الذي يتطلب عمليات عالية الكفاءة نتيجة لمحدودة الأوزان المطبقة بشكل صارم أثناء إطلاق المركبات الفضائية.

لقد جلبت تقنيات الحفاظ على المياه وإعادة التدوير منافع ضرورية للغاية للمجتمعات المعرضة للخطر في أنحاء العالم. على سبيل المثال، تطبق جامعة «القنيطرة» في المغرب تقنيات لتصفية وتنقية إمدادات المياه الجوفية القريبة التي تم تطويرها في الأصل لرواد الفضاء لإعادة تدوير مياه الصرف الصحي إلى مياه للشرب.

ويؤدي تأمين المياه لحوالي 1200 طالب، إلى تقليص الحاجة لنقل مياه الشرب العذبة، مما يجلب فائدة إضافية تتمثل في انخفاض انبعاثات الكربون من قطاع الخدمات اللوجستية.

ويسلط هذا المثال الضوء على الضرورة الواضحة لتطوير تكنولوجيات مبتكرة في مجال كفاءة المياه والمحافظة عليها، خاصة في ظل تقديرات تفيد بأن ثلثي سكان العالم سوف يعانون من نقص المياه بحلول عام 2025.

كما يسلط الضوء على مدى ارتباط جميع أفعالنا ونشاطاتنا. وعند أخذ الأمور مجتمعة، فإن مشاريع محلية صغيرة الحجم في أنحاء العالم لديها تأثير عالمي في خفض الانبعاثات والنفايات.

ويشكل هذا الالتقاء بين الأنشطة من مختلف الصناعات مجالاً مهماً يستدعي الاهتمام. فمن خلال تأثيره البعيد المدى، يعمل قطاع الفضاء عند نقطة تقاطع مع الصناعات الرئيسية الأخرى المتعلقة بالاستدامة، من الطاقة المتجددة إلى النفط والغاز واللوجستيات والبناء.

وعلى هذا الأساس، يسعدني رؤية إضافة الفضاء باعتباره ركناً من أركان أسبوع أبوظبي للاستدامة. وفيما استفاد الفضاء بالفعل من الجهود البيئية والاستدامة، يبقى هناك دائماً المزيد الذي يمكننا القيام به.

على سبيل المثال، من الممكن أن تعتمد صناعة البناء والتشييد على مجموعة من مواد وتكنولوجيات جديدة في سبيل تقليل الطلب على الطاقة في المباني، كاستخدام مواد مضاءة ذاتياً إلى وحدات للتحكم بالجهد الكهربائي.

وعلى الصعيد المحلي، عمدت وكالة الإمارات الفضاء إلى دمج ممارسات مستدامة في الإطار التنظيمي لقطاع الفضاء الإماراتي، بما في ذلك، على سبيل المثال، إجراءات لتقليص الحطام الفضائي وتخفيف أثره بالتعاون مع مجتمع الفضاء الدولي.

تلك الجهود تضاف إلى عمل الوكالة مع الشركاء في جميع أنحاء قطاع الفضاء الوطني لتنفيذ مجموعة من المشاريع التي تدعم الجهود البيئية والممارسات المستدامة في الإمارات وخارجها على حد سواء.

أولاً، يضع معلم «مدينة المريخ العلمية» التي طورها مركز محمد بن راشد للفضاء هدفاً أساسياً يتمثل في تكرار ظروف الحياة على المريخ لكي نتمكن من تطوير تكنولوجيا وتقنيات للبقاء على قيد الحياة في ظروف غير مضيافة للكوكب المجاور.

نبتكر بذلك حلولاً ملموسة وعملية لبعض تحدياتنا الأكثر إلحاحاً، بما في ذلك إمدادات مياه مستدامة، إعادة تدوير للموارد بشكل فائق الفعالية، وأنظمة إنتاج معززة للطاقة المتجددة. وإنني متأكد أنه ما أن نطلقها في السنوات القليلة المقبلة، حتى تحقق عمليات البحوث والتطوير المقرر إجراؤها في مدينة المريخ العلمية منفعة هائلة للبشرية.

على المدى القريب، يجري حالياً تصميم مشروع القمر الاصطناعي «مزن سات» بتمويل من وكالة الإمارات للفضاء وتطويره من قبل طلاب محليين في جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا والجامعة الأمريكية في رأس الخيمة. وسوف يجمع «3 يو كيوبسات» البيانات بشأن مستويات ثاني أكسيد الكربون والميثان فوق الإمارات.

وستوفر هذه البيانات القيمة رؤية حول تركيز المغذيات في المياه الساحلية للخليج العربي، ومن بــين تطبيقات أخرى، سوف يتيح «مزن سات» أيضاً التنبؤ بتكاثر الطــحالب وتطــبيق تدابير احترازية بشأنها.

وتوفر مشاريع رائدة كتلك للطالب والمهنيين في بداية حياتهم المهنية فرصاً ملموسة في جميع أنحاء قطاع الفضاء، وهي فرص من شأنها أن تجلب إمكانات لمنافع كبيرة وعالمية فيما يتعلق بالحماية البيئية وممارسات المستدامة.

إلى ذلك، يمثل «مسبار الأمل» لاستكشاف المريخ الذي سوف يدخل مدار المريخ في عام 2021 أول بعثة عربية إسلامــية بين الكوكب. ويشكل هذا المشروع إلهاماً لشبابنا حقاً، ليس هذا فحسب، بل يقدم وعوداً أيضاً على جدول الأعمال البيئي.

وستتيح كميات هائلة من البيانات البيئية التي يتم جمعها لنا خلال مهمة مسبار «الأمل» التوصل إلى فهم أفضــل لمـــناخ الكوكب الأحمر، وفي ســـياق ذلك مناخ كوكبنا.

وتسهم مجموعة من المنح الدراسية والاتفاقيات مع الجامعات التي وضعناها في تسهيل رؤية استخدام الفضاء لتعزيز النشاط المستدام على الأرض. في الواقع، مع ازدياد الوعي بشأن الآثار البيئية لنشاطنا أكثر من أي وقت مضى، يشكل إشراك الجيل المقبل وتسهيل دخوله إلى القطاع والصناعة أحد أنجع السبل لتحقيق ذلك.

مستقبلنا على الأرض هو حقيقة تتوقف على تعاوننا جميعاً، ولهذا السبب أشعر بالفخر بأن وكالة الإمارات للفضاء يمكنها أن تتعلم من الكون والكواكب البعيدة، وتعيد تطبيق ما تم تعلمه علينا هنا على الأرض. لدي إيمان راسخ بأن قطاع الفضاء في وضع فريد لقيادة تطوير التكنولوجيا المستدامة، والحد من آثار التغيير المناخي.

ترجمة - نهى حوّا  - نقلاً عن موقع «سبايس نيوز»

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات