مرتكزات التسامح في ثقافة الإمارات

أعلنت دولة الإمارات عام 2019 عاماً للتسامح والمحبة والأخوة الإنسانية، وكان لهذا الإعلان صدى عالمي واسع خاصة أن عام التسامح ترافق مع زيارة قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية إلى أرض الإمارات، أرض التسامح التي يتعايش عليها مئات الجنسيات لم تظفر بهذه الميزة بالصدفة، وإنما من خلال القوانين والتشريعات التي جعلت من الكراهية والتميز ضد الآخر المختلف في الدين واللغة والعرق، جريمة يعاقب عليها القانون.

ويمكن ما أبرز ميزة الإمارات هو الأوضاع السائدة في بعض مجتمعاتنا العربية، والتي انقلبت فيها الأحوال رأساً على عقب خلال العقدين الأخيرين، وظهرت النعرات الطائفية والعرقية والإثنية والتي أدت إلى موجات هجرة أغرقت ليس دول الجوار فقط، ولكن الدول الغربية أيضاً بطوفان من البشر الفارين من جحيم الإرهاب والتميز والإقصاء.

وعلى الرغم من أن بعض الدول العربية عرفت التعايش بين الطوائف والإثنيات لقرون طويلة إلا أن الأوضاع العالمية والسياسية والحركات التي تغطت برداء الدين والتدخلات الخارجية كلها عوامل حركت الرمال، وكشفت عن وضع متعصب أكل الأخضر واليابس، وحولت المنطقة بأسرها إلى بركان قابل للاشتعال في أي لحظة.

إن غياب قيم التعايش وضيق مساحة الحوار الإنساني بين الأديان والثقافات والأعراق وعدم تقبل الآخر المختلف في الفكر والرأي والعقيدة كلها عوامل أسهمت في وضع المواطنة الإنسانية في بعض مجتمعاتنا العربية، داخل صندوق أسود متحجر وغير قابل للانفتاح على النفس أو الآخر.

إذاً فضيق مساحة الصدور والعقول قبل ضيق مساحة الأرض، هي السبب الذي قلب الأوضاع في بعض مجتمعاتنا العربية والمسلمة رأساً على عقب، وحوّلها إلى مناطق موبوءة وغير قابلة للعيش مع الآخر المختلف. كما سممت تلك الأفكار عقول بعض الناس وحولت أراضيهم إلى ساحات حرب ودمار وهجرة غير مقننة حتى أصبحت تلك البلدان أكثر المناطق طرداً على مستوى العالم.

إذاً ففي خضم الصراع مع النفس والآخر ظهر أنموذج الإمارات كونه أنموذجاً متميزاً قائماً على المحبة والتآخي الإنساني، حتى أصبحت هذه البقعة الصغيرة من الأرض مهوى الأفئدة ومحط الأنظار. وأصبحت مضرب المثل في التعايش، وفي القول إن ضيق المساحة لا يعني أبداً الصراع، وقلة الموارد الطبيعية لا تعني التنافس والاقتتال.

عندما بدأ توافد الناس إلى أرض الإمارات قبل أربعة عقود لم تكن الإمارات بهذا التطور ولا بهذا التنوع الإثني أو بهذه الكثافة السكانية، فكل تلك العناصر تكونت عبر السنين بفعل التراكمات الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة وبفعل المأثورات الموجودة في الثقافة الإماراتية والتي ترحب بالضيف مهما كانت الظروف وشحّت الموارد.

وهكذا اندرجت تلك المأثورات الاجتماعية تحت مسميات عصرية منها تقبّل الآخر والتعايش السلمي ونبذ العنصرية، وأسهمت القوانين التي سنتها الحكومة في جعل الإمارات واحة ظليلة يستظل تحتها ملايين البشر.

هذه القضايا كلها هي التي أبرزت أنموذج الإمارات على مستوى العالم وجعلت منه أنموذجاً ديموغرافياً فريداً يضرب به الأمثلة، مع الأخذ في الاعتبار آراء تلك الطروحات التي تحذّر من تماهي الهوية الثقافية المحلية في هويات الآخر.

إن دولة الإمارات اليوم وهي تحتضن ثقافات الشعوب وتنوع أعراقها وإثنياتها إنما تعبر عن نبض العالمية الجديد العابر للحدود والثقافات، والذي يجسد المحبة والأخوة الإنسانية في وسط إقليم بالغ الحساسية والتعقيد.

وهي بالتالي تضرب مثالاً قوياً على إمكانية التعايش الإنساني في بقعة صغيرة إذا ما اجتمعت القلوب على الخير، وخلت الضمائر من كل ضغينة وحقد وكراهية واتجهت للعمل التنموي الذي يهدف للصالح العام.

وسوف تحتفي الإمارات بعد مدة بافتتاح إكسبو الذي سوف يلبس ثوباً شرقياً يزهو بالتآخي والمحبة الإنسانية، فكل شيء وضع لتسهيل هذا الحدث وجعله حدثاً لا ينسى في تاريخ المعارض العالمية، وكل شيء يحدث على أرض الإمارات هو حدث استثنائي ليس كمثله حدث. لقد وضعت الإمارات ليس فقط البنية التحتية لهذا الحدث، بل البنية الثقافية والقيمية والتي سوف تجعل منه حدثاً استثنائياً.

لقد وضع إكسبو 2020 دولة الإمارات بأسرها في سباق ليس فقط مع الزمن، ولكن مع نفسها لإظهار أجمل ما في حضارتها المادية وأفضل ما تحويه ثقافتها الاجتماعية وموروثها المعنوي وتاريخها الموغل في القدم، فبرز الموروث الإماراتي في صورة قيم تبرز ما تحمله ثقافتنا للعالم من محبة إنسانية وتسامح.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات