كبار المواطنين

الاهتمام بشريحة كبار المواطنين حق من حقوقهم المشروعة التي كفلتها لهم قوانين الدولة وتشريعاتها الحديثة. فهذه الشريحة المجتمعية خدمت الدولة لعقود طويلة قدمت فيها الكثير في معظم المجالات المدنية والعسكرية.

ودولة الإمارات اليوم وهي تضع القوانين والتشريعات التي تكفل لهم حياة كريمة بعد التقاعد، تضع في الاعتبار على الدوام قضية الاستفادة من خبرات هذه الشريحة والتي تراكمت عبر السنين من خلال الخبرة والتجربة التي صقلتها الأيام والأعوام.

ولا شك أن أكثر الناس فرحاً بهذه التشريعات هم كبار المواطنين أنفسهم والذين وجدوا في هذه القوانين والتشريعات تقديراً وعرفاناً من الدولة التي لم تنسَ فضلهم وعملهم في الخدمة العامة.

والتقاعد لا يعني الانقطاع عن العمل. فبعض المتقاعدين لديهم أعمالهم التجارية الخاصة التي تنسيهم الفراغ بعد زحمة أشغال الوظيفة الرسمية وتدر عليهم عائداً يعينهم على متطلبات الحياة والأسرة. ولكن البعض الآخر فضل عدم الدخول في مشاريع مهنية وفضل التفرغ للحياة الأسرية.

هذه الشريحة بالذات قد تلهيها مشاغل الأسرة أحياناً ولكنها تتوق للعمل حتى وإن كان تطوعياً. فالشخص الذي تعود على الوظيفة ودوامها وزحمة العمل لا يمكنه الركون للدعة التامة والجلوس في المنزل في ظل انشغال الأبناء في حياتهم الخاصة وأعمالهم الوظيفية. ومن هنا يجب أن تأتي المبادرات الخلاقة للاستفادة من خبرات هؤلاء الأشخاص التراكمية وتجاربهم الحية.

بعض المدارس الحكومية استفادت من خبرات كبار المواطنين عن طريق دعوتهم لتقديم محاضرات في المدارس وبالتالي تجعل التواصل بين الأجيال ممكناً ونقل التراث الوطني لهم سهلاً، والبعض الآخر وظف خبرات كبار المواطنين والمتقاعدين في العمل التطوعي الذي يجلب النفع للفرد والمجتمع على حد سواء، خاصة وأن بعض المتقاعدين لديهم خبرات لا تتواجد لدى الأجيال الشابة بحكم السن والحنكة والخبرة.

في إحدى المناسبات الرسمية التقيت مع إحدى الضيفات من دولة أجنبية، وكانت المرافقة لها شابة حديثة التخرج لا يتجاوز عمرها الرابعة والعشرين، ولم يمضِ على التحاقها بالعمل ستة أشهر. كانت الضيفة بحاجة للتعرف إلى ثقافة البلاد والمجتمع والناس، وكانت الشابة نفسها في حاجة إلى كيفية تقديم المعلومة وشرحها.

كان غياب التواصل بين الشخصين واضحاً من الوهلة الأولى. وعندما تدخلت وعرضت المساعدة في الإجابة عن بعض التساؤلات بدا الارتياح على الطرفين: الشابة التي وجدت من يقدم العون الذي تحتاجه الضيفة، والضيفة التي وجدت الإجابة عن كافة تساؤلاتها.

هذا الموقف يضعنا أمام التساؤل التالي ألا وهو كيفية الاستفادة من خبرات كبار المواطنين من موظفي الدولة في العمل التطوعي، خاصة وهم يملكون كماً معرفياً وفهماً عميقاً عن مجتمعنا وعن التكوين الاجتماعي والفكري السائد وعن طبيعة التحولات المجتمعية الدائرة.

الخبرة والتجربة وفهم المجتمع فهماً ناضجاً جميعها حقائق مهمة يجب توافرها في من يقع عليه الاختيار لمرافقة ضيوف الدولة وخاصة كبار الضيوف من العرب والأجانب.

فلا يمكن أن يقع الاختيار على شاب حديث التخرج لا يملك الخبرة ولا الفهم الحقيقي للتحولات المجتمعية أن يرافق ضيفاً مخضرماً أتى للتعرف على الدولة ومنجزها الحضري والحضاري.

وهنا يمكن الاستعانة بكبار المواطنين من المتقاعدين والذين خدموا الدولة في كافة مجالات الحياة من دبلوماسيين وعسكريين وكبار الموظفين في الوزرات المختلفة من الذين مارسوا العمل الحكومي ولديهم رصيد قوي في فهم التحولات المجتمعية ولديهم الرغبة في العمل التطوعي.

ويمكن تكوين قاعدة بيانات من هؤلاء الأشخاص والاستفادة منهم في المناسبات الكبيرة والتي يفد إلى الدولة خلالها آلاف الضيوف الرسميين كمعرض اكسبو 2020 مثلاً. فيمكن عن طريق عقد ورشات العمل وبعض التدريب تكوين فريق عمل جاهز وتطوعي لخدمة الدولة وضيوفها.

فهذا الفريق سوف يقدم الصورة الحقيقية لمنجز الدولة بكل حب وتفانٍ وبالتالي نضرب عصفورين بحجر واحد: الاستفادة من خبرات كبار المواطنين في عمل تطوعي يعود لهم الثقة في أنفسهم وقدراتهم وفي نفس الوقت توجيه طاقات الشباب إلى مجالات أخرى تحتاج إلى جهد الشباب وابتكارهم وطرائق تفكيرهم.

إن التجربة والخبرة التي يحملها كبار المواطنين من موظفين ودبلوماسيين وغيرهم هي خبرة تراكمية تكونت عبر السنين والأيام ويمكن الاستفادة منها لخدمة أغراض الدولة التنموية والتعريف بالدولة. فهم سفراء فوق العادة للوطن مستعدون لوضع خبراتهم في خدمة الدولة متى ما طلب منهم ذلك، وذلك الطلب سوف يكون تكريماً لهم وخدمة للدولة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات