الإعلام القوي ركيزة أساسية في مسيرة نجاح الدولة المتطوّرة

تحمل العلاقة بين قطاع الإعلام والحكومة تأثيراً كبيراً على المعلومات التي يمكن للجمهور الوصول إليها. ولطالما اعتمدت الحكومات على وسائل الإعلام للتواصل مع المواطنين والأطراف المعنية في مختلف أنحاء العالم، لضمان حصولهم على المعلومات التي تسهم في تشكيل قراراتهم اليومية، بدءاً من المنتجات التي يشترونها والمدارس التي يقصدونها، وصولاً إلى القضايا التي تمسّ صحتهم وسلامتهم وآراءهم السياسية.

وبدورها، تقوم وسائل الإعلام المؤثرة بتقييم هذه المعلومات وتحليلها وتحفيز حوارات بنّاءة لضمان التطور الدائم لهوية الدولة بشكل إيجابي، دون مواجهة أي عرقلة، كما أنها تساعد على تحفيز النمو الاقتصادي من خلال تعزيز الثقة بالسوق بنشر المعارف والمعلومات الدقيقة بشكل موضوعي، وهو ما يعد أساس القرارات الاستثمارية، فعلى سبيل المثال، بلغت مساهمة twofour54 الاقتصادية 1.5 مليار درهم إماراتي في العام 2016.

وبهذا يتضح دور الإعلام القوي والمسؤول في نمو الدول والأمم، إلا أن هذا الدور يرزح تحت ضغوطات تهدده في العديد من الأسواق العالمية نتيجة تراجع القدرات الإعلامية. وتشكل «القمة العالمية للحكومات»، التي تجمع القادة العالميين وممثلي المنظمات الدولية والمفكرين والخبراء، الوقت الأمثل لمناقشة أفضل الأساليب لتصحيح الوضع الحالي.

وكان التحوّل الرقمي من أهم العوامل التي أثرت على التغييرات التي طرأت على القطاع، والتي أدت إلى نشوء شركات مبتكرة جديدة، مثل «فايس» و«تيك رادار» اللتين تزاولان أنشطتهما انطلاقاً من مقراتهما الرئيسية في أبوظبي، كما أنه أسهم في إحداث تغيير جذري ضمن نماذج الأعمال التقليدية من خلال طرح تقنيات وتوجهات جديدة، مثل تعزيز إسهام الجمهور حول طبيعة المحتوى الذي يستعرضونه وكيفية استعراضهم له.

وفي الوقت ذاته، شكلت سهولة نشر الأخبار الكاذبة ضربة قاسية لمستويات الثقة التي يضعها الناس في المحتوى الذي يتابعونه عبر مختلف وسائل الإعلام.

وجاءت النتيجة على شكل تحوّل نحو الكم بدلاً من النوعية، الأمر الذي أفضى إلى ابتعاد المزيد من القنوات الإعلامية عن دورها بوصفها داعمة للمحتوى والمعرفة وتوجهها نحو ممارسة دور سردي أكثر، لنشهد بالتالي تراجعاً كبيراً في مستويات هذه الحوارات البنّاءة.

ويشكل هذا عاملاً مقلقاً في العالم العربي بشكل خاص، نظراً لضآلة حجم المحتوى الذي يتم إنتاجه إذا ما تمت مقارنته بعدد السكان أو الفرص المتاحة، فنحن بحاجة إلى مقدار أكبر من المحتوى العربي، لنكون قادرين على تعريف العالم بقيمنا وثقافتنا وتاريخنا، والحفاظ على هذه العناصر من أجل مجتمعاتنا، ولكن بهدف إنتاج محتوى إعلامي أكثر جودة، فإننا بحاجة إلى قطاع إعلامي مستدام، وهذا بدوره يتطلّب العمل على 3 محاور: أولاً رعاية المواهب المحلية واستقطاب الخبرات الإقليمية والدولية، إضافة إلى الاستثمار في البنية التحتية الملموسة وغير الملموسة، لنوفر لصناع المحتوى سبل التعاون والإنتاج، وأخيراً إنشاء منظومة تشجع على إبرام الشراكات والتعاونات بين مختلف الجهات.

ولا شك أن للحكومات دوراً بالغ الأهمية في ضمان تحقيق هذه الأهداف، فعلى سبيل المثال، ينبغي عليها أن تؤسس بيئة تتيح لوسائل الإعلام التطور والازدهار، وهو ما يمكن أن نشهده في دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال المبادرات التي تشمل تطوير مقر جديد ومتخصص للإعلام على جزيرة ياس بأبوظبي ليحتضن مجتمع twofour54.

كما يتوجب على الحكومات أن تتعامل بشكل منفتح مع القضايا التي تهدد هذه البيئة، مثل الأخبار الكاذبة أو التطرف.

ومجدداً نجد في الإمارات العربية المتحدة دليلاً على هذه المبادرات التقدمية، مثل مبادرتي عام زايد وعام التسامح، بشكل يضمن ترسيخ قيم التسامح والاحترام في وسائل الإعلام ومختلف أنحاء الأمة.

وفي الوقت ذاته يتوجب على وسائل الإعلام أن تمارس رقابة ذاتية وتمتثل بقوانينها الداخلية لتتمكن من الالتزام بهذه القيم، وأن تضمن امتثال المحتوى الذي تنتجه بالدقة والتسامح والقوانين السارية. وتحثّ هيئة المنطقة الإعلامية - أبوظبي على التنظيم الذاتي من خلال آليات إنشاء المحتوى التي نلتزم بها، التي تبيّن المعايير التحريرية الواجب اتباعها.

هذا ويلعب التعليم دوراً بالغ الأهمية، إذ يمكن للحكومات أن تطور المهارات اللازمة لتعزيز قطاع الإعلام، بدءاً من الإبداع إلى ريادة الأعمال، وصولاً إلى أهمية الالتزام بالقيم الأخلاقية ومعايير التدقيق، وذلك من خلال الدورات التدريبية الأكاديمية والمهنية.

وسيسهم ذلك بتشجيع الابتكار في القطاع، الذي سيعمل بدوره على ضمان مرونة تطوره مع التوجهات والتقنيات المتغيرة.

ومن أهم الأمثلة على هذه المبادرات «برنامج القيادات الإعلامية العربية الشابة»، الذي يسهم كل عام في تطوير المواهب الإعلامية وصقل مهاراتها وتعزيز معارفها في القطاع، حيث إن شباب هذه الأمة هم مستقبلها، ما يوجب علينا تمكينهم ومنحهم سبل التعاون والابتكار والإبداع، وتشجيعهم على الارتقاء بأحلامهم إلى أوسع الأفق.

ويسمح لهم العمل في مجال الإعلام إطلاق العنان لإمكاناتهم ومتابعة شغفهم.

لذا من الواضح أن عدم تعميق العلاقات بين الحكومة وقطاع الإعلام سيؤثر على المناقشات العامة والشمول الاجتماعي والمشاركة السياسية. ولا شك أن الشفافية عامل محوري في هذه العلاقات، إذ يمكن أن يُساء فهم التداخل بين الحكومة ووسائل الإعلام، ولذا من الضروري أن يدرك الجمهور الفرق بين الدعم والإشراف.

تعد هذه القضايا ملحّة وتتطلب بذل الكثير من الجهود، وحلها ليس بالأمر السهل، إلا أن القمة العالمية للحكومات، المقامة هذا الأسبوع في دبي، ستشكل المنصة المثلى لإيجاد حلول لهذه القضايا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات