سنغافورة ومكافحة التلوث

قدمت سنغافورة أخيراً «منطقة ممنوعة التدخين» على امتداد 3 كيلومترات من طريق أورشارد - وهي واحدة من أكثر أحياء التسوق ازدحاماً في المدينة.

ويبدو الأمر مثيراً للجدل، حيث يعتبره بعضهم تقييد حق الناس في التدخين في الأماكن العامة، فيما يعتبره آخرون طريقة لمعالجة تلوث الهواء وتحسين الصحة العامة. لكن لن يتم حظر التدخين فعلياً على طول طريق أوركارد: وبدلاً من ذلك، سيتركز التدخين في 40 منطقة مخصصة للتدخين، على مسافات تتراوح بين 100 و200 متر.

ويمثل تلوث الهواء تحدياً كبيراً للمدن في جميع أنحاء العالم، حيث إنه سبب مهم للوفاة واعتلال الصحة. ويواجه سكان المدن صعوبة في تجنب الآثار المترتبة على سوء نوعية الهواء، كما أن الأطفال والمسنين والأشخاص الذين يعانون من ظروف صحية خاصة كالربو، هم الأكثر تعرضاً لأعراض التلوث.

ويؤثر تلوث الهواء بصورة مباشرة على إنتاجية العمل والتعليم، من خلال المرض وفقدان أيام العمل، ويمكن أن يثبط الاستثمار الداخلي والنمو الاقتصادي. لذا فإن المدن تواجه عواقب كبيرة بسبب سوء نوعية الهواء، حتى قبل احتساب تكاليف الصحة العامة الإضافية.

وينبغي تشجيع أي محاولات لإيجاد حلول لهذه المشكلة. لكن منطقة عدم التدخين في سنغافورة تعد تدخلاً فردياً، لأنه لا تستجيب لطبيعة النمو الحضري، الذي يتطلب مقاربة متكاملة عبر العديد من الأنظمة المختلفة - من النقل، إلى الصناعة، إلى الرعاية الصحية - لتجنب عواقبها الضارة.

والمدن هي مراكز للإبداع والنشاط الاقتصادي، ولكن كل عمل من أشكال الاستهلاك والنقل يسهم في التلوث البيئي. وتنطوي إحدى الاستراتيجيات الأساسية للتعامل مع تلوث الهواء على تمييع وتشتيت الملوثات. وتركز منطقة عدم التدخين على التدخين في المناطق الصغيرة المخصصة لذلك. سوف يتأثر مستوى التلوث الناجم عن كل من هذه المناطق بالبيئة المحيطة به، لذلك من الأفضل أن تساعد هذه البيئات على تخفيف وتشتيت الدخان. فعلى سبيل المثال، تؤثر سماكة المباني وارتفاعها على تدفقات الرياح، والتي يمكن أن تساعد في تشتيت التلوث. أما الأخاديد في الشوارع - التي تتكون من صفوف متشابهة من المباني المتوسطة والمرتفعة - فتعمل على منع تشتت التلوث.

وتوفر هياكل المباني ذات الارتفاعات المختلفة سطحاً خشناً، مما يشجع على المزيد من خلط الهواء ويؤدي إلى زيادة تشتت التلوث والتخفيف منه. والبنية التحتية الخضراء يمكن أن تكون بمثابة حاجز بين مصادر التلوث والطرق ومناطق التدخين المحددة والأشخاص. لكن لا شيء من هذا سيعالج جذور المشكلة.

ويأتي معظم تلوث الهواء من حرق الوقود الصناعي والمنزلي للتدفئة والتبريد والكهرباء والنقل. وتعتبر انبعاثات النقل البري أهم مصادر تلوث الهواء في المناطق الحضرية، حيث تنبعث محركات البنزين والديزل من أكاسيد النيتروجين التفاعلية.

وتشكل الجسيمات الميكروية الدقيقة والبلى الناجمة عن الفرامل والإطارات، وكذلك الغبار على الطريق، مصادر مهمة للتلوث. وفي ضوء الشمس القوي، يتفاعل أكاسيد النيتروجين مع مركبات أخرى لتشكيل الأوزون، وهو ملوث شديد السمية عند مستوى سطح الأرض.

ويؤثر دخان السجائر غير المباشر تأثيراً كبيراً على نوعية الهواء في المناطق التي يرتادها المشاة، ولكن هذا ليس سوى عنصر واحد في مزيج قوي من الملوثات. وتوصي منظمة الصحة العالمية بإدخال قانون عدم التدخين في المناطق التي تعاني من الدخان السلبي. وقد يؤدي التعرض الطويل الأجل للأصناف الصغيرة من الدخان التي تأتي من الأشخاص الذين يدخنون السجائر إلى استنشاق المواد الكيميائية المسببة للسرطان من التبغ، بما في ذلك النتروزامين. وأسوأ دول العالم التي تحدث فيها الوفيات الناجمة عن تلوث الهواء هي أوكرانيا، بلغاريا، روسيا البيضاء وروسيا.

وبالنسبة لسنغافورة، يتمثل التحدي في أن التدخين في المناطق الأربعين المحددة قد يؤدي إلى تركيز المواد الدقيقة المسببة للتلوث فيها. وسيحتاج قادة المدن بشكل عاجل إلى إجراء تحليل مفصل للآثار المحلية على جودة الهواء المرتبطة بهذه المناطق المعينة. ويمكن بعد ذلك الإبلاغ عن أي تغييرات في موقع وتصميم تلك المناطق، بما في ذلك تعزيز البنية التحتية الخضراء فيها.

لكن منطقة حظر التدخين لا يمكن أن تكون الشيء الوحيد الذي تفعله سلطات سنغافورة لمعالجة تلوث الهواء. يجب أن يكون هناك نهج متكامل، يعيد تشكيل التصميم الكامل لكل شارع في المدينة، لتشجيع المزج والتشتت والتخفيف من الملوثات وزيادة جودة البيئة المحلية، مع التركيز على البنية التحتية الخضراء وفصل الأشخاص عن الملوثات. كما يجب أن تشجع أي سياسة فعّالة لجودة الهواء على استخدام وسائل النقل العام الصديقة للبيئة، والتحول نحو السيارات الكهربائية. ولا تكمن المشكلة في فرض التطبيق على منطقة حظر التدخين في سنغافورة، ولكن في ضمان أن هذا جزء من نهج متكامل يهدف إلى تقليل التلوث في الغلاف الجوي.

* أستاذ في جامعة بيرمنغهام

طباعة Email
تعليقات

تعليقات