مثيرو الشغب في النظام الدولي

منذ ثورة الخميني، وإيران تسعى لهدم النظام الإقليمي القائم في الشرق الأوسط، وإقامة نظام إقليمي جديد يخضع لهيمنتها. ولتحقيق هدفها دخلت إيران في صراعات مع القوى الإقليمية التي اعتبرتها تهديداً لمشروعها، فوضعت المملكة العربية السعودية والعراق على قائمة القوى المناوئة المستهدفة، فيما تسرب نفوذها بدأب ومكر إلى لبنان وسوريا والبحرين واليمن.

وبسبب الوجود والدور الكبير للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، تحدت إيران النفوذ الأمريكي في المنطقة، وأطلقت على الولايات المتحدة لقب الشيطان الأكبر، وعملت على إخراجها بكل السبل من الإقليم، فأدخلت نفسها في مواجهة مع النظام الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة.

إيران ليست حالة فريدة أو الحالة الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات بين الدول، ففي مراحل تاريخية مختلفة ظهرت دول لعبت الأيديولوجيا برؤوس قادتها، فظنوا في أنفسهم القدرة على قلب الأمور في العالم رأساً على عقب، فاستهانوا بالدول الأخرى ومصالحها، وأثاروا الاضطراب وعدم الاستقرار لفترة انتهت عادة بهزيمة مذلة لمثيري الشغب، وإجبارهم على التكيف مع حقائق الأشياء.

تتشكل العلاقات بين الدول على مدى سنوات وعقود، فتظهر دول كبيرة وأخرى متوسطة وصغيرة، وتتطور قواعد إدارة العلاقات بين الدول، بما في ذلك قواعد الحرب والسلم والاستقلال والسيادة والتجارة وحلّ النزاعات، ومن كل هذا يتشكل نظام دولي أو إقليمي تعرف فيه كل دولة موقعها بقدر مناسب من الوضوح والقبول، وإن ظلت هناك مساحات مفتوحة لخلافات يتم حلّها عبر الآليات المتضمنة في قواعد عمل النظام.

الدول مثيرة الشغب هي دول تطمع في نفوذ يزيد بكثير عما يتيحه لها النظام الدولي القائم، وهي دول تتعجّل تحقيق أهدافها فلا تطيق الإصلاح والتغيير التدريجي، وإنما تندفع لإحداث انقلاب سريع يبدل الأوضاع.

لتبرير أطماعها تزعم الدولة مثيرة الشغب أن النظام الدولي قد بُني على جور وظلم لا يمكن إصلاحه، وأن الانقلاب على النظام الدولي والإقليمي والثورة عليه هو الطريق الوحيد للتغيير. فرنسا في زمن الإمبراطور نابليون بونابرت، وروسيا الشيوعية، وألمانيا النازية كلها نماذج لدول مشاغبة رفضت النظام الدولي القائم، وأرادت أن تستبدل به ثورياً نظماً تخدم مصالحها، فأدخلت كل منها النظام الدولي في مرحلة طويلة من عدم الاستقرار انتهت بهزيمتها وإجبارها على الخضوع.

قامت الثورة الفرنسية عام 1798 رافعة شعارات الحرية والإخاء والمساواة، لكنها كأي ثورة أدخلت البلاد في سنوات من الفوضى.

بعد سنوات قليلة من سقوط الملكية سقطت فرنسا تحت حكم نابليون بونابرت، الذي أعلن نفسه إمبراطوراً، وحكم البلاد بدكتاتورية، لكنه واصل رفع شعارات الحرية والإخاء والمساواة لتبرير سلسلة الحروب التي شنها في أوروبا.

زعم نابليون لنفسه وللجيش الفرنسي رسالة تاريخية تستهدف تحرير الشعوب الأوروبية من طغيان الملوك. استمرت الحروب النابليونية عشر سنوات، انتهت بهزيمة الجيش الفرنسي، واحتلال باريس، ونفي نابليون، وعودة الأسرة الملكية المخلوعة لحكم فرنسا.

بنهاية الحروب النابليونية في عام 1815 شكّل ملوك أوروبا «توافق فيينا»، وهو عبارة عن حلف كبير اتفق أعضاؤه على قواعد جديدة لإدارة النظام الدولي، تمنع المغامرين من أمثال نابليون من إعادة الكرّة، وتحتوي النزعات الثورية التي أطلقها نابليون في القارة، فكان أن تمتعت أوروبا بمئة عام من السلام استمرت حتى نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914.

في نهاية الحرب العالمية الأولى نجح الثوار الشيوعيون في الإطاحة بالنظام القيصري الحاكم في روسيا. العقيدة الشيوعية عقيدة أممية، تؤمن بوحدة العمال في كل العالم، وبمبدأ الثورة العمالية العالمية. ما إن وصلوا إلى السلطة حتى بشر الشيوعيون الروس بالثورة في باقي أنحاء أوروبا، الأمر الذي دفع الحكومات الأوروبية للدخول ضدهم في حرب طويلة ساندوا خلالها القوات المناوئة للحكم الشيوعي.

نجح الشيوعيون في الاحتفاظ بحكمهم رغم التدخل الخارجي ورغم الثورة المضادة داخلياً، إلا أنهم أدركوا أن عليهم الحد من طموحاتهم، والقبول بالشيوعية في بلد واحد وحيد هو روسيا، وكان هذا هو الثمن الذي دفعوه لكفّ يد القوى الأوروبية الكبرى عنهم.

بعد الحرب العالمية الثانية نجح الاتحاد السوفيتي في وضع شرق ووسط أوروبا تحت سيطرته، لكنّ ثمة فرقاً كبيراً بين الاحتلال العسكري الذي حدث فعلاً والثورة التي حلموا وبشروا بها. قبل أن ينتهي القرن العشرون كانت الشيوعية قد تبخّرت في روسيا وجوارها، وعادت روسيا إلى مكانتها الطبيعية دولةً رئيسيةً في النظام الدولي، لكن بلا ادعاءات ثورية أو أيديولوجية.

ألمانيا النازية هي نموذج لتحدي القومية المتطرفة لقواعد النظام الدولي. كانت لدى القوميين الألمان أوهام عن تفوق العرق الآري الجرماني، وعن حق العنصر المتفوق في قيادة أوروبا، وعن دورهم التاريخي في تمدين أوروبا والعالم.

اعتبر النازيون الوضع القائم في أوروبا انتقاصاً من الحق التاريخي للشعب الألماني، فقاموا بشنّ الحرب في كل اتجاه لإنهاء هيمنة القوى القديمة والتأسيس لعصر جديد. بدأت الحرب في عام 1939، واستمرت حتى عام 1945 عندما تم هزيمة ألمانيا واحتلالها وتقسيمها، وعلى أنقاضها تأسس نظام دولي جديد كانت ألمانيا فيه مجرد واحدة من الدول المتقدمة.

إيران الخميني ليست إلا تكراراً لنمط الثوريين الطمّاعين الذين يريدون حكم العالم أو الإقليم بعد أن سيطروا على بلدهم. لا شيء يدعو للاعتقاد بأن مصير المحاولة الإيرانية لإثارة الشغب في النظام الإقليمي والدولي سيكون مختلفاً عن مصير المشاغبين السابقين. ربما استغرق الأمر بعض الوقت مثلما حدث في التجارب التاريخية السابقة، إلا أن الأمور في عصر ثورة المعلومات والاتصالات تحدث أسرع كثيراً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات