الصين وآفاق غزو القمر

بعد إطلاق مسبار تشانغ إيه - 4 القمري الصيني في 8 ديسمبر، أصبح بذلك أول محاولة من أية دولة للهبوط على الجانب الأبعد من القمر. وستهبط مركبة الصينية فوق فوهة فون كرمان البركانية، التي تقع في حوض أيتكين بالقرب من القطب الجنوبي للقمر، وفي حوزتها أقدم دليل على دراسة تاريخ القمر.

ومن وجهة النظر الهندسية والاستغلال المستقبلي، يُعتقد أن منطقة القطب الجنوبي تحتوي على كمية من الماء أكثر من المناطق الأخرى على سطح القمر. وبالتالي، ستكون هذه البعثة قادرة على جمع الكثير من المعلومات اللازمة لدراسة إمكانية استخدام المياه في هذا المجال في المستقبل.

وهذا أمر جدير بالاهتمام بشكل خاص، لأنه إذا حاول البشر الاستقرار على القمر مستقبلاً، فسيكون الماء ضرورياً لبقائهم. كما يمكن استخدام المياه لإنتاج مواد الدفع الخاصة بمركبات الفضاء التي يتم إرسالها لزيارة أجرام سماوية أخرى بعيدة في النظام الشمسي، مثل المريخ والمشتري وزحل.

ومركبة الهبوط القمرية «The Chang'e-4» هي في الأصل نسخة احتياطية من مركبة الهبوط القمرية «Chang'e-3». ومع نجاح مهمة المركبة السابقة، غيّرت إدارة الفضاء الوطنية الصينية وجهة سير المركبة الجديدة لكي تهبط في الجانب البعيد من القمر.

وعلى الرغم من أن المركبتين الفضائيتين تتمتعان بالتصميم والمواصفات نفسها، فإن إدخال بعض التغييرات على المركبة الأحدث أضفى الكثير من الصعوبات والتحديات، وذلك من أجل الحصول على البيانات الضرورية والقيادة إلى جانب الهبوط على سطح القمر، الذي هو غير مرئي من الأرض، وكان من الضروري وجود وسائل لترحيل البيانات ونقل الإشارات بين مركبة الهبوط والمحطات الأرضية.

ونتيجة لذلك، تم إطلاق القمر الاصطناعي الصيني «جسر ماغبي» في مايو 2018 لنقل بيانات المركبة، وقد دخل فيما بعد مداراً حول الكرة الأرضية.

ويعتبر الإطلاق الناجح للقمر خطوة حاسمة لبعثة مركبة الهبوط على القمر. ولا يمكن التقليل من أهمية مشاريع استكشاف القمر وبرامج استكشاف الفضاء العميق من خلال المركبة الجديدة، كما لا يمكن للعلماء الحصول على بيانات مفيدة لأبحاثهم، واختبار التقنيات الجديدة والمتقدمة للدراسة الهندسية من خلال هذه البرامج فقط، التي تساعد أيضاً على تعزيز تقدم البلاد في العلوم الأساسية وتعزيز قدرتها البحثية.

وبالنسبة إلى أي بعثة لاستكشاف الفضاء، هناك عوائد مباشرة وغير مباشرة. وقد يجادل البعض بأنه لا يوجد الكثير من التطبيقات المباشرة والتحويلات التكنولوجية من هذه البعثات، ولكن المكونات والأدوات وفنون المعالجة والمنتجات الأخرى التي تم تطويرها خلال هذه العملية، ستسهم جميعها في تطوير صناعات التكنولوجيا العالية والجديدة في الصين، وستكون حاسمة للنمو الاقتصادي في الصين.

ويعتبر برنامج أبوللو الأميركي مشابهاً للبرنامج الصيني، وتم تنفيذه في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، لكن الخبراء يعتقدون أنه كان له تأثير طويل الأمد تجاوز وقت عمله، وأسهم بشكل جزئي في قفزة نوعية في العلوم والتكنولوجيا في الولايات المتحدة في الثمانينيات والتسعينيات.

وعلى سبيل المثال، ألهم أبولو العديد من الشباب في الستينيات والسبعينيات لتكريس حياتهم للبحوث العلمية والهندسية، التي وفرت موارد بشرية قوية للاقتصاد المزدهر في فترة الثمانينات والتسعينات، ويحدث الشيء نفسه الآن في الصين. ومهمة Chang'e-4 هي أيضاً نتيجة للتعاون الدولي.

ويتيح لنا البحث العلمي خلال البعثات الفضائية أن ننظر إلى عمق أكبر في النظام الشمسي ومستقبله، وهو أمر حاسم لفهم أفضل لمصير الجنس البشري في نهاية المطاف.

إن نجاح برامج الفضاء هذه لا يمكن تحقيقه من خلال «العمل المنفرد» لبلد ما، لكنه يتطلب تعاوناً دولياً. ومهمة الصين الفضائية الجديدة ليست استثناء، حيث إن هناك ثلاث حمولات على متن المركبة الفضائية تم تطويرها بمساعدة الدول الأجنبية، وينبغي أن نتوقع المزيد من هذا التعاون الدولي مستقبلاً.



 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات