صوت وضوء

صوت وضوء، كانت بداية النهاية لزميل العالم الكبير؛ عالم الجيولوجيا والفضاء المصري «فاروق الباز»، والقصة تتلخص كما رواها العالم فاروق في أحد اللقاءات التلفزيونية عن زميل له حاصل على الدكتوراه في الفيزياء النووية من أمريكا، ولكن بعد عودته كان مصيره تدريس بدائيات علوم الفيزياء «الصوت والضوء» في أحد المعاهد المصرية، وبعد أن خابت ظنونه وضاع حلمه وفقد قيمة نفسه وذاته مات إثر أزمة قلبية فلم يحتمل وضعه بالمكان الخطأ؛ قتله عِلمه الذي سهر من أجله الليالي وطلبه لما هو أبعد من الصين، فقد كان عائداً إلى وطنه متسلحاً بعلمه، ولكن غلبه بؤسه وحسرته على هذا العِلم ليكون مصيره الموت.

الحكاية كانت ستتكرر مع العالم فاروق الباز أيضاً بعد أن تم تعيينه مدرساً للكيمياء في نفس المعهد، رغم أن تخصصه الجيولوجيا، ولكن بسبب تمنعه من الالتحاق بالعمل ولم يدخل سجن الاختيارات الخاطئة، وصل لحلمه وأصبح من أشهر العلماء العرب، وعمل من بعدها في العديد من المشاريع الجيولوجية لدراسة القمر في وكالة ناسا.

هذه الحكاية تلخص لنا إحدى أبرز المشاكل التي تواجهها مجتمعاتنا العربية، فأساس نتاج أي قوم هو نتاج عقول أبنائها، ووضع هذه النتائج في قوالب مثمرة يُستفاد منها بشكل أكبر وأوسع، ولكن للأسف معظم مجتمعاتنا العربية يُضيق النطاق ويحدد اللامحدود ليضمحل نتاج العقول يوماً بعد يوم، فلا نصل لعلوم كاملة ننافس فيها أكبر المجتمعات العلمية والفكرية العالمية.

لو راجعنا سيرة حياة معظم شبابنا سنجد بأنها تتلخص في عدة مراحل متشابهة وكأنها قوالب جاهزة مفروضة على عقولهم، في مرحلة الدراسة المدرسية يطلب منهم تحصيل أعلى الدرجات، ولكن ليس بالضرورة أن يفهموا ما يدرسونه، وعند الانتقال للدراسة الجامعية يتم تحديد تخصصاتهم بناء على مرحلة الثانوية التي تقاس على ميزان الدرجات فمن يحصل على 99% يدرس الطب حتى وإن كان عقله ونتاج فكره أفضل لو دخل الهندسة، ومن يحصل على تقييم 95% يدرس الهندسة رغم أن ميوله وحبه للطب أكبر وأعمق، وهكذا الحكاية تستمر في النزول في سلم الدرجات ويقابلها تخصصات معينة لكل درجة، ومن ثم يتخرج شبابنا ليلتحق بسوق العمل وقد قبل الكثير منهم بنصيبه من التخصصات التي درسوها وأُجبروا عليها.

المكان الخاطئ لا يكمن فقط في توظيف هؤلاء الشباب، إنما الخطأ الأول في تقييم العقول، فلا يوجد في مراحل حياتنا ولا حتى مرحلة واحدة لتقييم هذه القدرات فتفصل بينهم هذا ينفع لكذا، وذاك ينفع لتلك، وتبقى هذه المسألة إن وجدت لتقييم الشخص لذاته وهؤلاء قلة قليلة من هم قادرون على معرفة ما يناسب عقولهم في هذه الحياة فيختارون التخصص الذي يناسبهم والوظائف التي يبدعون فيها، ولكن قيادة المجتمعات للنجاح لا تعتمد على تقييم الأشخاص لأنفسهم إنما بإيجاد طرق لتقييم قدرات أجيالنا ووضعها في المكان الصحيح.

معظم مناهجنا ومنظوماتنا التعليمية العربية يخلو من اختبارات التقييم؛ تقييم الذات والتعرف على المكنون الداخلي والقدرات الشخصية، والاختبار أو الامتحان لن يفي بهذا الغرض، فالنتاج الحقيقي لا يعتمد على مبدأ «حافظ مش فاهم» إنما يعتمد على أولئك الذين يفهمون ما يدرسون، ولا يدرسون من أجل الاختبار إنما من أجل تطوير هذه الأفكار في المستقبل، وهذا النظام المتبع في بعض أنظمتنا التعليمية العربية جعل مجتمعاتنا تأخذ المعلومة دون أن تحللها، فقط تحفظها وتعمل بها، دون أن تفكر يوماً أن تنتقدها، وأقصد هنا النقد الفكري الذي يجعلك تبحر في اكتشاف ما في أعماق أي معلومة فتحللها لتستطيع حينها أن تطورها وتضيف عليها.

نريد لمؤسساتنا التعليمية العربية أن تُعيد النظر بمخرجاتها، وما تخرجه لسوق العمل، وعلى مجتمعاتنا العربية أن تتقبل فكرة الحرف اليدوية والمشاريع الخاصة خصوصاً المشاريع الابتكارية، ولهذا تجد دولتنا دولة الإمارات أوجدت نظام التعليم المهني ولكن يبقى نجاحه مرهوناً بتغيير النمط الفكري للمجتمع وتشجيع الطلاب لهذه التخصصات، وأيضاً نجد في إعلان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عام 2019 عام التعليم في مصر خطوة جيدة للنهوض بمجتمعاتنا العربية.

التحديات كثيرة، لكن النتائج مثمرة وتستحق كل هذا البذل من العطاء، فلا نريد أن يُكتب على عباقرتنا مصير زميل فاروق الباز، بل نريد ألف عالم مثل الباز، ليس بجهد واجتهاد شخصي فقط، بل بتنظيم وخطة حكومية تسيّر القدرات وتوظفها بالطريقة المثلى.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات