لِمَنِ اِدَّخَرتَ الصارِمَ المَصقولا

ليس كل المديح مجاملات، فبين سيف الدولة الحمداني والأمير بدر بن عمار، قال أبو الطيب المتنبي قصيدتين أشغلتا الدنى صخباً وجزالة وبأساً، وقدمتا شخصيتين تاريخيتين بما فيهما من مجد وقدوة ضربت جذورها عميقة في هوية الإنسان العربي.

حين امتدح المتنبي الأمير بدر بن عمار، صاحب طبرية، وقال: «أَمُعَفِّرَ اللَيثِ الهِزَبرِ بِسَوطِهِ.. لِمَنِ اِدَّخَرتَ الصارِمَ المَصقولا، وَقَعَت عَلى الأُردُنِّ مِنهُ بَلِيَّةٌ.. نُضِدَت بِها هامُ الرِفاقِ تُلولا، وَردٌ إِذا وَرَدَ البُحَيرَةَ شارِباً.. وَرَدَ الفُراتَ زَئيرُهُ وَالنيلا»، فأخال أن كل فرسان الأرض، بعد تلك القصيدة، راحوا ينافسون الأمير بدر على الشجاعة، لا ينامون الليل وهم يحلمون به يقتل الأسد بسوطه، وأظن أن كثيراً منهم، تعلّموا المواجهة وصلابة القلب.

قصيدة المتنبي (على قدر أهل العزم) التي قالها في سيف الدولة ومنها: «عَـلَى قَـدْرِ أَهـلِ العَـزمِ تَأتِي العَزائِمُ.. وتَــأتِي عَـلَى قَـدْرِ الكِـرامِ المَكـارِمُ، وتَعظُـمُ فـي عَيـنِ الصّغِـيرِ صِغارُها.. وتَصغُـر فـي عَيـنِ العَظِيـمِ العَظـائِمُ، يُكـلّفُ سَـيفُ الدَولَـةِ الجَـيشَ هَمّـهُ.. وقـد عَجَـزَتْ عنـهُ الجُيوشُ الخَضارِمُ، وَيَطلُبُ عندَ النّاسِ ما عندَ نفسِه وَذلكَ ما لا تَدّعيهِ الضّرَاغِم»، فكانت تلك القصيدة هي النبراس النموذج لكثير من قادة الجيوش وفرسان المعارك وحتى الأشخاص العاديين، والتي جعلت الناس يتعلّمون العزم والكرم وحسن التدبير، حتى باتت شعاراً تقتدي به دول ومؤسسات ومشاريع.

قرأتُ في اللمسة الحكيمة، والإشادة الرقيقة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لأخيه ورفيق دربه المعلم القائد الملهم الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، شكراً على «50 عاماً في خدمة الوطن»، وتقديراً لعطاء سموه وجهده وإبداعه في خدمة وطنه، هذا النموذج من المديح الجميل الذي يُقصد به زرع القدوة في النفوس، وتوجيه الناس إلى مساقات التفوق والنجاح، فبدت لي وكأن الشيخ محمد بن زايد قد نحت تمثالاً للشيخ محمد بن راشد، ليؤمه كل من تتوق عيناه للمجد، ليحصل على دفعة تحفيزية كبيرة منه.

في الثلث الأخير من أكتوبر 2018، وتحديداً خلال مؤتمر الاستثمار في الرياض، سمعنا جميعاً ما قاله سمو ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد قدم أنموذجاً في دبي يُحتذى به، ورفع سقف النجاح في الشرق الأوسط. والتي كانت بمثابة إشارة كبيرة لكل من يريد الدخول في سباق الإنجازات في الشرق الأوسط، أن عليه أن يبلغ ذلك السقف المرتفع جداً، قبل أن يفكر في خوض معارك النجاح.

كثيرون يقفزون عن بعض المقالات والمقولات، يظنون أن المديح لشخصية كبيرة مهمة ومؤثرة هو مجرد مجاملة أو طلب وسعي في شيء مقابل ذلك، وقد لا يدركون أن هذه الكلمات تؤثر حقاً في آخرين، تجعلهم يتحركون نحو أهدافهم بقوة وسرعة، متمسكين بالقدوة التي بين أعينهم، فسيف الدولة والأمير بدر والشيخ محمد بن راشد قاموا بأفعال عظيمة، تستحق التوقف والتأمل والمديح، الذي يبني في النفوس ذلك التحدي الذي يحتاجونه للتفوق والمنافسة والنجاح.

مهلاً، ألم يقل الله عز وجل، للنبي المصطفى، عليه الصلاة والسلام «وإنك لعلى خلق عظيم»، فما أجمل هذا المديح الذي يعلّم الناس أهمية الأخلاق، والذي يجعلهم يقتدون بصفات نبيهم الكريم، فهل نقفز عن هذا المديح الجميل الذي يضم تحت جناحيه تلك المقاصد كلها؟

سر نجاح الشيخ محمد بن راشد، هو أنه لم يقلد أحداً، بل استطاع ببراعة لا مثيل لها تصميم أنموذجه الخاص الذي أفصح عن بعضه، أما بعضه الآخر، فادخر له سيفه المصقولا.

* كاتبة وإعلامية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات