تحليل

أمن المواطن وأمن الوطن

لو أن شخصاً اعتدى عليك أو على أملاكك، فما عليك سوى رفع الأمر للشرطة والقضاء، ليستردوا لك حقك، ويقتصوا من المعتدي، حتى لو اقتضى الأمر استخدام القوة الجبرية؛ وكل ذلك عبر تطبيق نصوص القانون الوطني شديد الوضوح والإحكام.

هذا هو ما يحدث داخل الدولة، أما في العلاقات بين الدول، فإنه لا يوجد شيء من هذا، فلو تعرضت الدولة للاعتداء، ولم تكن لديها القدرة للدفاع عن نفسها ورد العدوان، فإنه لا يوجد هناك شرطة أو قضاء دولي يعاقب المعتدي ويعيد الحق لأصحابه. نصوص القانون الدولي تفتقر للوضوح والإحكام في أغلب الأمور، وإن كانت أكثر إحكاماً ودقة في مجالات قليلة. يتسم القانون الدولي بالإحكام في قضايا التجارة والمال، ويفتقد لأي إحكام عندما يأتي الأمر لقضايا الحرب والسلام؛ وفيما بينهما توجد درجات رمادية عدة لإحكام الصياغات القانونية ودقتها.

بين قانونين

القانون الوطني يعكس الثقافة والخبرة التاريخية لمواطنين متشابهين في الثقافة واللغة والدين والتاريخ، وبقدر ما يتشابه المواطنون داخل الوطن الواحد، بقدر ما يتفقون على تعريفات محدّدة للصواب والخطأ؛ المقبول وغير المقبول.

على العكس من ذلك فإن الخلفيات الثقافية والدينية واللغوية المتباينة، والخبرات التاريخية المختلفة للشعوب العديدة في النظام الدولي لا تجعل من السهل الاتفاق على قواعد جامعة مشتركة للصواب والخطأ في القانون الدولي.

هناك مصادر قليلة مشتركة ومتفق عليها لقانون الدولة الوطنية؛ على عكس المصادر الكثيرة غير المشتركة وغير المتفق عليها للقانون الدولي. قانون الدولة الوطنية هو صياغة منضبطة بلغة أهل القانون لثقافة الأمة وتاريخها؛ فيما القانون الدولي هو عملية مساومة وتوافقات صعبة بين ثقافات وخبرات تاريخية متنوعة. وبقدر ما تسمح المشتركات الثقافية والتاريخية بين أبناء الأمة الواحدة بكتابة صياغات قانونية منضبطة وواضحة، بقدر ما يؤدي التعدد الثقافي والتاريخي للشعوب المختلفة إلى حرمان القانون الدولي من الإحكام والوضوح.

تطبيق القانون

سواء كانت قواعد القانون الدولي من النوع شديد الإحكام، أو من نوعية المبادئ الاسترشادية شديدة العمومية، فإنه لا يوجد في النظام الدولي أي سلطة لها الحق الشرعي في استخدام القوة الجبرية لتطبيق القانون، وبالتالي يظل القانون الدولي مجرد مجموعة مبادئ يتوقف تطبيقها على استعداد الدول لتطبيقها طوعياً، وعلى قدرة الدولة صاحبة المصلحة على استخدام قوتها ومواردها الذاتية من أجل إجبار الآخرين على التعامل معها باحترام.

من حق كل مواطن في الدولة التمتع بالحماية والأمن التي يوفرها القانون والشرطة والقضاء، ومن حقه التمتع بنفس مستوى الأمن الذي توفره الدولة لجميع مواطنيها بشكل متساوٍ وبنفس القدر، من دون الحاجة لامتلاك سلاح يحميه، أو التدرب على فنون القتال، أو الانشغال بأمنه بأكثر مما هو متوقع من الشخص العادي.

الأمن للمواطن هو حق توفره له الدولة؛ أما في العلاقات بين الدول فالأمن ليس حقاً للدولة، إنما هو ميزة تكتسبها، وتظل تكافح من أجل الحفاظ عليها، لأنها لو فقدتها فلن يتطوع أحد لتمكينها منها ثانية، حتى لو شعر الجميع بالأسى والأسف لانتصار شريعة الغاب.

للمواطن داخل الدولة أن يعتمد على آخرين في الشرطة والقضاء لتوفير أمنه؛ أما الدولة فإنها لا تستطيع الاعتماد إلا على نفسها من أجل توفير أمنها. نظام الأمن داخل الدولة هو مسؤولية المؤسسات؛ أما الأمن في العلاقات بين الدول فهو نظام يقوم على الاعتماد على الذات، حيث لا أحد مضطر لمساعدة أحد آخر إلا وفقاً لحسابات المصلحة.

للمواطن أن يطمئن إلى الأمن المضمون الذي توفره له دولته؛ وله أن يطمئن إلى جيرانه الذين لن يتركوه وحيداً لو ألمّت به ضائقة، فالجيران في كل مكان يتضامنون مع بعضهم في المحن والظروف الطارئة. لكن الدولة لا تستطيع أن تطمئن للجيران، فالجوار الجغرافي يجعل الاعتداء سهلاً ممكناً؛ ويسمح بالهجمات المفاجئة من دون فترة إنذار تسمح بالاستعداد؛ ويخلق من أسباب الشقاق والنزاع ما يصعب حدوثه مع غير الجيران.

فعلى عكس الدعم الذي نتوقعه من جيراننا في القرى والمدن التي نعيش فيها، وعلى عكس حسن النية الذي علينا الالتزام به في التعامل معهم؛ فإن على الدولة توخي الحذر في علاقتها مع الجيران، وعليها الحرص على أن تمتلك طوال الوقت ما يكفي من القوة لموازنة قوة جيرانها، حتى تكون مستعدة للتعامل معهم بالطريقة المناسبة إذا قرروا التحول عن حسن الجوار إلى مصدر العدوان.

الدولة توفر إطاراً يتمتع المواطنون داخله بالأمن، لكن الإطار الذي توجد فيه الدولة، وأقصد به النظام الدولي، لا يتيح لها من الأمن إلا ما تقوم بتوفيره لنفسها. لا أمن للمواطن خارج إطار الدولة، فليعتصم المواطن بدولته، وليكن لها عوناً لمواجهة مخاطر الجيران والنظام الدولي.

 

كاتب ومحلل سياسي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات