استثمر في نفسك

لكل إنسان تجربته الخاصة وقناعاته التي تشكلت إثر هذه التجربة، وفي هذه الحياة استثمارات كثيرة، وكل شخص يختار ما ينفعه من هذه الاستثمارات، فشخص يستثمر بعائلته وأولاده، وآخر يستثمر بأمواله وتجارته، وهناك من يستثمر في نفسه وذاته، وهذا ما سنركز عليه في مقالنا هذا، فهو الرابح في استثماراته، وهو أفضل استثمار على الإطلاق.

يقول الكاتب الأميركي «ستيفن كوفـــــي» إن «الاستثمار الأقوى الذي يمكننا تحقيقه هو الاستثمار في أنفسنا، فهي الأداة الوحيدة التي نملكها، والتي من خلالها نتعامل ونساهم في الحياة»، وأنا أتفق تماماً مع هذا الرأي، فجميع الأمور الخارجية أنت لا تملكها امتلاك اليقين، فحتى وإن فكرت أنك تمتلك عائلتك أو أموالك أو شركاتك، لكن كل هذا معرض للفقدان.

فكم من أب استثمر في ولده ورحل الولد وفارق الحياة، وكم من أب استثمر في ولده وأدخله أفضل المدارس وألحقه بأفضل الجامعات، وفي النهاية ها هو الولد يرقد داخل السجن ومتهم بقضايا مخدرات، وكم من صاحب رأس مال تعرض لأزمة مالية وخسر كل ما يملك من أموال حتى أعلن إفلاسه.

نحن لا نملك أي شيء من حولنا فكل شيء وارد فقدانه، ويبقى الشيء الوحيد الذي نملكه بصفة مطلقة لا تتبدل هو أنفسنا وذواتنا، فمهما خسرت تبقى أنت، تبقى لك تجاربك وإنجازاتك، تبقى لك ذاكرتك وذكرياتك وما فيها من معلومات وأفكار، يبقى لك ذاتك وما صنعته من أجلها، يبقى لك هذا العقل وكيف نميته وطورته وما خزنت عليه من أمور جعلتك مميزاً دوناً عن غيرك، بقيت لك تلك الموهبة التي نميتها واهتممت بجعلها صنعة حياتك، هذا هو الباقي لك ما دمت حياً.

نحن عندما نطالب بالاستثمار بالذات هذا لا يعني تجاهل الاستثمار بالأمور المحيطة بنا، ولا نعني الأنانية بتاتاً، فأحياناً كثيرة يكون الاستثمار بالأمور المحيطة ناجحاً كما جاء في حديث رسول الله ﷺ (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم، ففي هذه الحالة يكون إخراجك لولد صالح ولعائلة صالحة يتساوى مع الاستثمار بذاتك، فعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له كلاهما استثمار ناجح، ولكن في دعوتنا للاستثمار بالذات صلاح المجتمع بأكمله.

فالنجاح الفردي يجب أن يصب في النهاية في نجاح مجتمع أكبر وأكبر، وهذا أيضاً ما أكد عليه أدم سميث مؤسس علم الاقتصاد والأب الروحي للرأسمالية في كتابه «ثروة الأمم» حيث بين أن الإنسان كائن اقتصادي يبحث عن الربح والمكسب في حياته، وأن هذا الأمر له نتائج إيجابية عندما يصب في الناتج المجتمعي.

تخيلوا ما الذي سيحدث لو استثمر كل شخص في نفسه وفي ذاته، وأشبعها علماً وثقافة، وصرف جزءاً كبيراً من ماله ليحصد الشهادات العليا ويطور من نفسه ليكون شخصاً مهماً، شخصاً استثنائياً لم يكن أحد مثله لا من قبل ولا من بعد، صدقوني سنصبح مجتمعاً أكثر تقدماً وازدهاراً، سنفتخر بأنفسنا ونحقق ذواتنا بدلاً من الافتخار بأننا صنعنا وعملنا وقدمنا لأولادنا ونسينا أنفسنا.

حينها سنتخلص من النظرة البائسة لحياتنا لأننا سنكون على الأقل قد حققنا جزءاً من أحلامنا وطموحاتنا واستثمارنا في قدراتنا بالمكان الصحيح، وكل هذا الاستثمار سيصب في المصلحة العامة لجميع المحيطين بنا، فما نصنعه من نجاحات سيجعل أولادنا أكثر فخراً بنا إذ سنوفر لهم الحياة الأفضل في جميع المقاييس.

الحياة تجربة وفرصة ورحلة تتكون من عدة مراحل، كل مرحلة فيها عبارة عن درس يمهد لك الطريق للذي يليه، فإن كنت متقاعساً متخاذلاً في طموحك فسيخذلك الزمن ويحطمك، وسينتهي بك المطاف بصورة تذكارية تُعلق على الجدار لسنوات قليلة وبعدها لن يُذكر منك إلا اسمك.

ولكن أولئك أصحاب الطموحات العالية والذين يثابرون في الاستثمار بذواتهم ليتمكنوا من تحقيق أهدافهم والوصول لطموحاتهم هم من يدونون أسماءً خالدةً يُستشهد بإنجازاتها في ميادين العلم والثقافة لآلاف السنين.

كل يوم في حياتك هو ملك لك، فأفق من سباتك، وقارن نفسك بذلك التاجر الذي يصطاد الفرص واحدة تلو الأخرى، وكيف أنك تنتظر راتبك بفارغ الصبر كحال أي موظف، ولا أقصد هنا إيجاد العيب في الوظيفة والموظفين.

ولكن أعيب على عقلية الموظف الذي يبقى حبيس الأدراج تنهك جسمه جلسة الكرسي وترقب رسالة وصول الراتب، دون أن يطور من نفسه ليصبح أهم موظف في دائرته وشركاته، هذه العقلية هي المعيبة بكل المقاييس، وفيها الاستثمار الخاطئ إن كنا نستطيع أن نسميها استثماراً من الأساس، بل الأولى أن نسميها انتحاراً، ولكن بالعرض البطيء.

إليك يا عزيزي القارئ هذه الكلمات الصادمة لعلها تصطدم بواقعك فتكسر زجاج الصمت وتخرج عن طورك وتقول «كفى» فقد فات من العمر الكثير، وقد حان وقت التغيير.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات