ثقافة التسامح وثقافة العنف

الشباب هم عماد المستقبل وهم الثروة الحقيقة لأي مجتمع، وإعداد الشباب فكرياً ونفسياً وتثقيفهم وتأهيلهم لمواجهة المستقبل بكل تجلياته وتطلعاته واجب على المجتمع والدولة معاً. كذلك من واجبات الأسرة والدولة تزويد الشباب بالقيم النبيلة المهمة لبناء المجتمعات، واللازمة لبناء الأمة من ناحية الاهتمام بنوعية وجودة التعليم، حيث يعد التعليم رافداً مهماً من روافد التنمية البشرية.

الشباب هم المستقبل بكل ما يحمله ذلك المستقبل من طموح ونظرة إنسانية وتطلع نحو الأفضل. لهذا تحرص المجتمعات على قيم التعايش والسلام واللاعنف لأن التحلي بها يصب في مصلحة الفرد والدولة. فكل الخطط التي توضع وكل الاستراتيجيات التي تعمل من المفروض أن تصب في النهاية لصالح الفرد والمجتمع.

لهذا تنحو المجتمعات نحو تشجيع الشباب على حمل القلم الذي يعد هو الحل الأمثل لبناء ثقافة الفرد المجتمعية وعلى رأسها التعايش مع الآخرين ونبذ العنف والكراهية والعنصرية. فالتعليم هو السلاح الذي يساعد الشباب على ارتياد حقل المعرفة والتعرف على ثقافات الآخرين والعيش بتناغم مع المختلف في الفكر والعقيدة.

وبالطبع ليس المقصود هنا التعلم النظامي العادي ولكن التعليم الذي يثقف ويفتح المدارك ويساعد على التعرف على الثقافات الأخرى وإدراك جوانب الاختلاف والتماس بين الثقافات والشعوب وتكوين ثقافة تحترم الآخرين وتتعاون معهم على الخير والبناء. فالثقافة إذاً هي حجر الزاوية في بناء ثقافة التسامح وتقبل الآخر المختلف.

وقد عرفت الشعوب العربية منذ ما يعرف بأحداث ما يسمى «الربيع العربي» موجة كبيرة من الكراهية والعنصرية في المجتمعات العربية أججتها الصراعات السياسية كالعنف والاستبداد وغذتها الظروف الاقتصادية القاسية كالبطالة والفقر والجهل.

هذه الموجة من المتغيرات الفكرية تلقفتها التيارات الأيديولوجية ودفعت في أتونها آلاف من الشباب الذين جندتهم لخدمة مصالحها الضيقة والرخيصة، وعوضاً من أن تكون المجتمعات الإسلامية مجتمعات خير ورفاهية ورخاء، أصبحت مجتمعات تضج بموجات من العنف وبخطاب الكراهية والعنصرية.

وعلى الرغم من أن تلك المجتمعات مجتمعات شابة إلا أنها في فكرها ومسلكها أصبحت وكأنها مجتمعات عجوز تضج بالأفكار التقليدية البائدة ويدور في أرجائها الفكر الظلامي الذي ينبذ الآخر ويتطاول عليه ويفتقد لأي رؤية تنويرية ومستقبلية.

فلا غرو أن نجد أن معدلات الهجرة من المجتمعات العربية والإسلامية إلى الخارج قد زادت في الآونة الأخيرة حيث أصبح الشباب يتطلعون إلى بناء مستقبلهم بعيداً عن أوطانهم وربما في أوطان غريبة عنهم.

لذا تعد قيمة التسامح التي هي نقيض العنصرية والعنف من أجمل القيم الواجب تعزيزها من أجل تقوية الروابط الإنسانية وإعطاء الحياة ذلك المعنى الذي أرادها الخالق لها حين قال «وخلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا».

إن إعلان دولة الإمارات عام 2019 عاماً للتسامح لم يأت صدفة. التسامح هو نهج الدولة منذ ولادتها وهو النهج الذي اتبعه الآباء المؤسسون ويسير عليه الأبناء.

وعلى الرغم من أن الإمارات ليست لديها أية مشكلة في قضية التعايش السلمي حيث يتعايش بين جنباتها مئات الجنسيات والأعراق في سلام وتناغم رائع، إلا أنها مدركة حقيقة مهمة وهي أنها تعيش في إقليم وفي منطقة تضج بالصراعات الإثنية والمذهبية ولهذا فإن من واجبها الإنساني والدولي أن تشجع على إعلاء هذه القيم النبيلة لما فيها من خير للبشرية جمعاء.

وإعلاء هذه القيم يأتي من خلال غرسها في نفوس الأجيال الجديدة لكي يدركوا أهميتها في بناء الأوطان وفي تقوية الروابط الحضارية مع الآخر. فمتى ما حلت ثقافة التسامح محل ثقافة العنف والكراهية والعنصرية سلمت المجتمعات وتكاتف الجميع لبناء الأوطان.

إن استقبال الإمارات لرأس الكنيسة البابوية في 2019 دليل على أن الإمارات ترحب بالتقاء الثقافات والأديان على أرضها وليس لديها أي مشكلة في التعايش مع الآخر المختلف في الدين واللغة والعقيدة.

التسامح قيمة مهمة وهي ثقافة تحرص الإمارات على أن يتزود بها الشباب لأنها الذخيرة التي تحمي المنجز الوطني من أي تهديد. فكما تعلي الإمارات من شأن قيم التسامح فهي تنبذ خطاب العنف والكراهية الذي يتسبب في هدم الروابط الإنسانية بين البشر. هذه هي القيم التي قام عليها الأنموذج الإماراتي ويتحلى بها إنسان الإمارات.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات